«البر التانى».. غرق في المباشرة ومشاهد البحر كانت طوقه للنجاة

1591 مشاهدة

 %d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%af%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%b1-7-247x300ـ انتصار دردير

قبل سنوات كانت قضية الهجرة غير الشرعية ومراكب الموت تطل بين وقت وآخر لتحصد أرواح الأبرياء الذين ضاقت بهم سبل العيش فى بلادهم، غير أنه فى السنوات الاخيرة باتت القضية تفرض نفسها فى كثير من البلدان العربية إما بسبب مشكلة البطالة والفقر كما فى مصر وبعض الدول الافريقية، وإما بسبب الظروف السياسية كما فى سوريا والعراق واليمن، والذى راح ضحيتها أطفال وشباب وأسر كاملة ابتلعتهم مياه المحيطات والبحار ولفظت جثامينهم على الشواطئ كما فى مشهد النهاية لفيلم «البر التانى» الذى تتناثر فيه جثث الشباب وأطواق النجاة التى تعلقوا بها حتى اللحظات الاخيرة حيث كان الغرق مصيرهم وهم على بعد أمتار من الوصول للشاطئ الأوروبى.

حين يتصدى فيلم لقضية مطروحة بقوة نطالع تفاصيلها يوميا على الشاشات والصحف «أقربها حادث مركب رشيد بالبحيرة الذى وقع فى سبتمبر الماضى وراح ضحيته أكثر من مائتى مهاجر غير شرعى ينتمى بعضهم لمصر وسوريا واريتريا والسودان»، فلابد أن يثير العديد من الأسئلة ويكشف كثير من الأسرار التى قد تقود الى حلول لواقع مر وأزمة لاتزال تستفحل مع تفاقم الاحداث السياسية والاقتصادية التى تمر بالعديد من البلدان.

8

فيلم «البر التانى» للمؤلفة زينب عزيز والمخرج على إدريس يطرح القضية بشكل مباشر وربما تقليدى أيضا، رغم أوجاعها وآلامها، وربما كان السرد التقليدى للسيناريو فى البداية هو ما أصاب الفيلم  بشئ من الترهل فى النصف الأول منه والذى يستعرض الأسباب التى دفعت بأبطاله الى قوارب الموت بكل ما تحمله من مخاطر، بعد أن سدت أمامهم أبواب العمل الشريف وهى مشاهد تكشف بضراوة شدة البؤس والفقر والظلم الاجتماعى الذى تتعرض له بعض الفئات، مثل مشاهد عودة الشاب محمد على من القاهرة وتركه للعمل بها، وتستعرض الأحداث حياة أسرته المكونة من أمه وأبيه الكفيف واخوته البنات وهم يقومون «بتقميع» البامية الخضراء واعدادها للطبخ مقابل قروش زهيدة، وهو العمل الذى يستغرق نهارهم ويتكسبون منه معيشتهم، كذلك الشاب الثانى (عمرو القاضى) الذى تزوج لتوه وهو بلاعمل ويقرر السفر ويستدين من شقيقه وأقارب زوجته ويكتب إيصالات امانة على نفسه حتى يستطيع السفر، هذه الأحداث تستغرق مساحة كبيرة من الفيلم وكان من الممكن المرور عليها بسرعة والتركيز على القضية الأساسية التى يقصدها «البر التانى» أو يستعرضها فى فلاشات سريعة، مثلما نجح السيناريو فى التعامل مع أزمة البطل الثالث محمد مهران بشكل أكثر حيوية وسرعة خاصة ان مشاهده تبدأ وهم يستقلون الأتوبيس فى طريقهم الي المركب.

النصف الثانى من الفيلم هو الأصعب بالطبع اداءا وتنفيذا وانتاجا، حيث التصوير فى عرض البحر ليلا (ومشاهد قليلة نهارا) وسط ظروف التقلبات البحرية والأمواج الهادرة بين مصر وأسبانيا التى اختارها الانتاج للتصوير بها بديلا عن ايطاليا بعد ان تعذر استخراج تصاريح للتصوير من ايطاليا «الغريب أيضا انهم واجهوا مشكلة فى تصاريح أسبانيا لولا تدخل وزيرة الهجرة لدى القنصلية».

6

مأساة الشباب تبدأ فى مصر حين يطلب منهم المقاول الجشع «اختيار موفق لبيومى فؤاد» بعد أن دفعوا ما لايملكون مقابل سفرهم «احدهم تبيع امه أوانيها النحاسية لسفره» هذا المقاول يأمرهم قبل استقلالهم المركب باعطائه الفلوس وأى أوراق تثبت هويتهم حتى اذا تم القبض عليهم ينسبون انفسهم لأى جنسية أخرى، وكما يقول لهم «كل واحد يفكر فى اسم تانى يقوله لهم وبلد أخرى يدعى انه منها اذا ماتم القبض عليه»، ثم يطلب منهم الابحار للوصول للمركب بحقائبهم وأنها «خطوتين اتنين»  حتى لا يلحظ خفر السواحل فى مصر المركب ويستوقفه، ليجدوا أنفسهم وسط أمواج البحر المتلاطمة وحين يصلوا للمركب تكون قواهم قد خارت وحقائبهم قد فقدت لكنهم لازالوا يتمسكون بالأمل فى الوصول الى الحلم الذى يهون من أجله كل شئ.

المركب الذى تمت اقامته بمواصفات خاصة يعد بطل الجزء الثانى من الفيلم وهو الموقع الرئيسى للتصوير، وقد نجح مهندس الديكور يحيي علام فى تنفيذه بشكل متقن يكشف عن سوء حالته وعدم صلاحيته للسفر، كما نجح الانتاج فى تنفيذ مركب مماثل له فى أسبانيا لتصوير الجزء الخاص بالساحل الأوروبى.

يعتمد الفيلم على مجاميع كبيرة من الشباب، وقد نجح المخرج على ادريس الى حد كبير فى السيطرة على أدائهم وحركتهم، كما نجح فى الحفاظ على ايقاع الفيلم بشكل أفضل فى النصف الثانى الذى لا يحتمل أى تمهل، اذ تتوالى الأحداث فى سرعة وعمق ينبئ بالنهاية المتوقعة بل والمنتظرة من المتلقى الذى يدركها مقدما لكنه يترقب كيف سيصل اليها المخرج وكيف سيصورها باعتبارها التحدى الأكبر فى الفيلم.

3

وتأتى مراحل النهاية حين يكتشف المهاجرون الشباب أن ثقبا حدث بالمركب وان المياه قد اخترقته ويصاب الجميع بالرعب لكن قبطان المركب وهو لايقل جشعا عن مقاول الأنفار الذى قام بتسفيرهم يهون كثيرا من الأمر ويحاول معالجته بطريقة بدائية ويأمر الجميع بالهدوء ثم يبوح لمساعده أنه أخطأ فى عدم الاستعانة بمركب آخر أكثر صلاحية حتى لايدفع أكثر نظير ذلك، وحين تتلألأ أضواء الساحل الأوروبى يصرخ الجميع فى فرحة بعد أن اقترب الحلم من التحقق، وقد أخذ كل منهم يتخيل حياته بعد سفره وعودته الى قريته وكيف أصبح يعيش وأسرته فى مستوى آخر من الحياة المرفهة.

ويتلاشى كل ذلك حين يبدأ المركب فى الغرق ويطلب قائده من الجميع القفز منه حتى لايسقط بهم فى القاع، ويهرع الجميع الى قوارب النجاة التى لايكفى عددها ركابه ويتخطفوها من بعضهم، وكل يحاول النجاة بنفسه ويسقطون تباعا، وحين يشرق النهار على الشاطئ الأوروبى وفى لقطة موسعة تتناثر جثث الغرقى الذين قذفت بهم امواج البحر العاتية بينما تنتقل الكاميرا بين الجثث وبين المبانى الأوروبية الأنيقة.

تلعب الموسيقى التصويرية دورا مهما وحيويا فى الفيلم، ويبرع تامر كروان فى التعبير عن مختلف الأحداث فى لحظات التوتر والرعب والمشاهد موحية بالأمل، وتصبح موسيقى تامر أحد العناصر المميزة فى الفيلم مع المونتاج الذى قام به سالم درباس وطاقم أسبانى شارك فى انجاز الفيلم، الى جانب التصوير الذى قاده مدير التصوير أحمد عبد العزيز والاسبانى أوسكار فيليسس.

اسناد الفيلم الى ثلاثة من الوجوه الجديدة احسب انه كان ضروريا لتأكيد المصداقية فأعمار الأبطال دون الثلاثين واذا اسندت الى نجوم معروفين قد لايحققوا نفس المصداقية لدى الجمهور، وقد أدى الممثلون الثلاثة أدوارهم باجتهاد كبير، وبرع عبد العزيز مخيون فى أداء شخصية الأب الذى فقد بصره ولم يفقد بصيرته، وعبرت عفاف شعيب عن شخصية الأم بأسلوب سهل وصادق، وتفوقت حنان سليمان فى تجسيد شخصية الأم الملهوفة التى اضطرت للرضوخ لرغبة ابنها الوحيد للسفر، ولعل من أجمل مشاهد الفيلم لحظة وداعها له والمقاول يدفعها للاتوبيس وهى مذعورة لان ابنها لايجيد العوم، ومن خلف زجاج الاتوبيس تتعلق عيناها على ابنها فى أحد المشاهد المؤثرة للغاية.

يحسب للفيلم وصناعه طرقه لقضية بالغة الاهمية وهى الهجرة غير الشرعية وان كان يحتاج الي خيال ورؤية أكثر ابداعا، ويحسب لـ زينب عزيز تصديها لكتابته وهى تعلم صعوبة انتاجه، ويحسب لمخرجه اصراره على تنفيذ الفيلم وعمله عليه لعده سنوات، وكذلك يحسب لبطل الفيلم محمد على اقدامه على انتاجه رغم تقاعس منتجين كبار عنه، ورغم بحثه الواضح عن النجومية بكل الطرق والوسائل، لكن لايحسب له نهائيا انفراده بالأفيش فى بطولة يفترض أنها جماعية.

مايكل كيتون.. تتسابق عليه الجوائز أخيرا

«سينماتوغراف» ـ أميرة لطفى كشفت المسيرة الفنية الطويلة  للممثل الكبير مايكل كيتون عن موهبة لا احد يستطيع انكارها. الا أنه بعد فترة من انحسار الأضواء عنه سلطت عليه مره أخرى واخذت  نجوميتة تضوى بقوه

مزيد   1142