«الخادمة لين».. رؤية الآخرين من خلال التجسس

194 مشاهدة

«سينماتوغراف» ـ عمار محمود

أولى لقطات فيلم «الخادمة لين ـ The Chambermaid Lynn» كان لقطة «مغبشة» لمكان ما وهذا المكان ثابت جامد، وهذه الافتتاحية، التي تستخدم عدم الوضوح كإختيار جمالي، تعبر من وجهة نظر الخادمة لين (فيكي كريبس Vicky Krieps) عن نهاية عالمها، والذي انتهى بسبب الروتين، وهو ما يتضح مباشرة في أول مشهد لها عندما تتحدث مع طبيبها النفسي، عن جدول أعمالها أو نظام حياتها، الروتيني جداً، والمحدد بمواعيد دائماً، والروتين هذا يسبب ما عبرت عنه أولى لقطات الفيلم، اختفاء الحياة، لأن الحياة تأتي من الإيقاع والإيقاع من الحركة.

تقول لين، والتي تعمل في قسم التنظيم في فندق اسمه عدن، أنها سمعت من أحد ما، أن الصدفة البحرية تحتوي المحيط في داخلها، ولم تكن تصدق ذلك، حتى جربته، ووضعت صدفة أخذتها من أحد الشواطئ على أذنها، فسمعت هديره وحتى ارتطامات أمواجه، فشعرت حينها بأن العالم كذبة.

كذبة لأن الحياة لا يمكن احتوائها، والمحيط هو أكثر الأشياء التي تعبر عن الحياة مجازاً، فهو دائم الحركة، وعشوائي، وحركاته كلها تؤثر في شكل أمواجه، وكذلك الحياة، فمحيطنا الذي نعيش في داخله، يتحرك دائما وبأحداث لا نعلم أسبابها في أحوال كثيرة، وكل الأحداث تلك تؤثر في خلق عقدة جديدة نحاول فكها، فالثابت دائما هو حركة الحياة، والحركة تعني التغيير المستمر، والروتين هو ضد التغيير، وبالتالي هو قاتل للحياة، وهو المشكلة التي تعاني منها لين.

ولما أصاب الروتين حياة الخادمة لين، حاولت العثور على الحركة في حياة أناس آخرين، لتفادي أثر التجربة على المستوى الشخصي، وأيضاً لمشاهدة جميع أبعاد التجربة الحياتية، لأن ذلك يعطيها رؤية أفضل، شاملة، تساعدها على الاستمتاع أكثر، ويضاعف القيمة التي تبحث عنها، وهي الحركة أو الزمن.

فلكل واحد منا زمنه الخاص، أي حياته الخاصة، ولين، تحاول أن تستمتع بأزمان الشخصيات من خلال المراقبة، لأن المراقبة لا تورط ولا تلزم الإنسان بأي شيء تجاه الآخر، وتطيل فترة الاستمتاع طالما لا توجد أية مشاكل إنسانية، كما أن الناس في محيطهم الخاص، يصبحون في أقرب صورة إلى ذاتهم، وهنا القيمة الأكبر في مسألة التجسس، وهو رؤية الحياة بطبيعتها البربرية، الخالية من أية بروتوكولات حداثية، وهنا متعة أخرى تتحقق للخادمة لين.

والمسائل تلك، كالمراقبة، هي في الأساس إحدى نتائج مشكلة التواصل أيضاً والتي تعاني لين منها، والذي من بروتوكولاته مسألة الصدق، والذي يأتي من الولاء، لأن الولاء يوحدنا تماماً مع أنفسنا فنصبح في أقرب صورة لذواتنا أمام من يستحقوا الولاء، كالأحبة مثلاً.

لم تكن لين على علاقة جيدة بوالدتها، لأنها اعتبرت تلك العلاقة ميكانيكية وروتينية كفاية للاهتمام بها ومحاولة تنميتها، فتخلت عنها بالرغم من مرضها، ومن خلال مراقبتها لنزلاء الفندق التي تعمل فيه، تعرفت على كيارا والتي كانت مهنتها غريبة بالنسبة لعالم لين.

كانت كيارا تمارس الجنس العنيف مع عملائها، واستغلت لين وجود الكارت الخاص بكيارا أمام عينها فأخذت رقمها واتصلت بها، وحاولت أن تعيش تلك التجربة الجديدة مع كيارا، فطلبت منها ووافقت كيارا.

على مشاهد متفرقة، يحاول السيناريو أن يكشف لنا التركيب النفسي للين، فينتقل من المشاهد الروتينية الباردة في شقتها ذات الحوائط الزرقاء والكادر الثابت الذي يحاول مضاعفة الشعور بالروتينية والبرودة في المشاعر.

ثم ينتقل لنا مع الأحداث المتصاعدة دائماً في الفندق، والذي يملؤه اللون الأحمر بداية من ملابس لين إلى سجاجيد الفندق، والسجاجيد تلك هي الأقرب للين لأنها تستلقي أرضاً تحت أسرة النزلاء لكي تراقبهم، وتتحرك الكاميرا دائماً في المشاهد التي تحدث في الفندق، والذي بالنسبة للخادمة لين، هو عالمها الذي تحبه، فبداية من تنظيفها لغرفها بإخلاص يدهش رئيسها في العمل، إلى تنظيف غرف أخرى لا تندرج ضمن وردية عملها، إلى محاولة لين تجربة ملابس النزلاء، والشعور المجازي بالتجارب التي خاضوها في تلك الملابس والتي هي الأحلام، لأن كل تلك الملابس كانت ملابس للنوم، وهو محاولة أخرى للتعرف على العالم من خلال أحلام الآخرين، وهو المرحلة الأكثر صدقاً في النفس البشرية، لأن الأحلام سواء عند فرويد أو يونج، لها علاقة وثيقة بما نرغب فيه ونخفيه.

المميز في الفيلم، بالرغم من الموضوع المعقد نفسياً مع الشخصية المريضة التي يحكي عنها، أي لين، هو محاولة للتبسيط وبث خفة الروح للفيلم، من خلال الأداء الجميل من فيكي، والألوان التي تتغير دائماً على حسب الحالة العامة للمشهد، واتزان الإيقاع طيلة زمن الفيلم، والذي يأتي بداية من الحركة المنهجية للكاميرا والمتسقة مع موضوع الفيلم، الحركة والروتين داخل وخارج شقة لين.

التجسس في علم النفس، إما أن يأتي من الشعور بالنقص، لأنه يجعلنا نقارن أنفسنا بالنسبة للآخرين، وليس بالضرورة نقص مادي لسبب طبقي، وإنما نقص في الشعور بالحياة ذاتها، أو يأتي من الشعور بالكمال، والذي يعطي الأحقية الأدبية في مراقبة أفعال الآخرين، والخادمة لين، لم نتعرف على السبب الحقيقي لتجسسها، فإذا كانت مريضة، فلماذا مرضت، لكن الأكثر معقولية من ضمن كل الأسباب تلك، هو أن لين، كانت تحاول البحث عن الحقيقة، والحقيقة العارية تأتي في أشد الأماكن خصوصية، كغرف النوم، لأن الإنسان حينها، يتخلى عن كل بروتوكولات المجتمع، ويتسق تماماً مع بربرية الحياة والإنسان البدائي.