«بلاش تبوسني».. يراهن علي التغيير والاختلاف

456 مشاهدة

ـ انتصار دردير

من عنوان الفيلم تستطيع أن تستنتج جانب من أزمته ومع تتر البداية وصوره الكرتونية التي تشبه تترات أفلام الثنائي الكوميدى فؤاد المهندس وشويكار، يتأكد لك هوية الفيلم التي تثير الضحك والسخرية في آن واحد .

فيلم «بلاش تبوسني» الذي يطرح قضيته بأسلوب فيلم داخل فيلم يكشف كثيراً من كواليس تصوير الأعمال الفنية، وتسلط البطلة وتذبذب مواقفها وضعف المخرج في مواجهتها، خاصة وهو يصور عمله الأول وسيطرة المنتج التاجر الذي لا يعنيه شئ سوي انتهاء التصوير علي أي نحو.

يسخر مخرج الفيلم من واقع يكتشفه ويتملكه الحنين لماضي لم يعشه لكنه انعكس في أفلام ومشاهد أحبها وتأثر بها وتعلق بالسينما من أجلها، لذا فهو يرصد في الفيلم واقعاً صدمه مع أول أفلامه.

الديكور الرئيس في الفيلم يجري داخل موقع تصوير لفيلم سينمائي بطلته الممثلة الشابة (فجر ـ ياسمين رئيس) و(المخرج تامر ـ يؤدي دوره الممثل الشاب محمد مهران)، حيث يجري تصوير أخر مشاهد الفيلم الذي يتضمن جملة حوار بين البطلة والبطل داخل غرفة النوم والمفترض أن ينتهي بقبلة تجمعهما لتكون لقطة النهاية التي يعدها المخرج لقطة محورية لتوصيل رؤيته الفنية، وبينما تدور الكاميرا لتصوير المشهد تتصاعد أزمة البطلة التي ترفض تصوير مشهد القبلة .

مخرج الفيلم  أحمد عامر هو أيضاً كاتبه ويخوض من خلاله أول تجاربه في الأفلام الروائية الطويلة بعد أن شارك في كتابة سيناريو فيلمي «الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط و «علي معزة وابراهيم» لشريف البندارى، ويبدو أن اختياره لموضوع فيلمه الأول عكس تساؤلات عديدة لديه خاصة وهو يعيش بين القاهرة ونيويورك  ويستهجن ماجري للسينما المصرية التي وقعت في خضم تناقض كبير .

يبرهن المخرج بطريقة مباشرة هذا التناقض بتحايل درامي واضح حيث يجري مخرج آخر تصوير فيلم تسجيلي عن القبلات في السينما المصرية التي كانت أحد أسباب نجاح الأفلام في زمن مضي ثم صارت من المحرمات.

يستعرض الفيلم التسجيلي أشهر قبلات السينما المصرية من فاتن حمامة وعمر الشريف، لسعاد حسني ورشدي أباظة، وعبد الحليم حافظ وبطلات أفلامه، وبوسي ونور الشريف ويتوقف متسائلاً عما جري لبطلات هذا الزمان ومنهن بطلة الفيلم الذي يجري تصويره، ويتعلق الجميع بمشهد النهاية وهل ينتصر المخرج لفيلمه أم يفشل في مواجهة البطلة التي ارتدت الحجاب وترغب في تغيير النهاية التى أرادها، وفي مواجهة المنتج الذي لا يفرق معه شئ كمنتج أفلام هابطة توحي عناوينها بذلك مثل (أرجوك لاتحرمني منك والقلب الطري).

تفجر مشاهد الفيلم طوال الوقت الضحك الممزوج بالسخرية من واقع صار يفرض نفسه علي الفن، وحمي التدين الظاهري التي تخفي كثيراً من التناقضات فالبطلة التي لم تمانع من قبل في تقديم أدوار الإغراء ويعرض لها المخرج في بدايتها أحاديث تؤكد ترحيبها بأداء أي مشاهد تعيش حالة ذعر بسبب رؤيا تطاردها في المنام ويدفعها أحد الدعاة الجدد لارتداء الحجاب .

يستقي المخرج فيلمه من واقع شهدته السينما المصرية بعد حجاب بعض الفنانات وتحريمهن للفن ثم تراجعهن عن كل مارددنه وعودة أغلبهن إلي الفن الذي لم يستطعن الابتعاد عنه، وتلجأ بطلة الفيلم فجر إلي ممثلة كبيرة سبقتها إلي ارتداء الحجاب وتصبح دليلها في التعامل مع الأدوار الجديدة، ويستشهد المخرج بمشهد  مثيراً للسخرية حين ترفض الممثلة الكبيرة شبه المعتزلة (تؤدى دورها سوسن بدر) تصوير مشهد درامي وهى تستقبل ابنها العائد بعد غياب والطبيعي أن تحتضنه لاضفاء المصداقية علي أدائها إلا أنه يتحول لمشهد كوميدي وهي تزيحه بعيداً وتردد حواراً يناقض ما يطالعه المتفرج علي الشاشة، وهو مشهد حققته في الواقع الفنانة سهير البابلي في أحد أعمالها التليفزيونية بعد ارتداءها الحجاب.

لعب الممثل الشاب محمد مهران دوره بإجادة كبيرة لمخرج يبدأ تحقيق أول أحلامه فيجد نفسه ممزقاً بين شروط جديدة باتت تحكم الأعمال فيوافق علي تصوير مشهد القبلة لكل من البطل والبطلة علي حدة بينما يتم دمجهمها في المونتاج.

ولعبت ياسمين رئيس دور البطلة بنجاح يحسب لها .

في أربعينات القرن الماضي غني عبد الوهاب (بلاش تبوسني في عينيه دي البوسة في العين تفرق)، وفي الألفية الثانية يأتي فيلم «بلاش تبوسني» ليكشف تراجع مساحة التسامح وحرية الفن وسوء الفهم الذي أصاب المجتمع.