«ترويقة فى بيروت».. الوجه الآخر لمدينة تعرفها

2147 مشاهدة

انتصار دردير تكتب لـ «سينماتوغراف»:

 المدن مثل البشر، لها ألف وجه ووجه، واذا كنت قد عرفت العاصمة اللبنانية بيروت، زرتها أو تعلقت بها، فان فيلم «ترويقة فى بيروت» للمخرجة الشابة فرح زين الهاشم يكشف لك بيروت أخرى لا تعرفها، حيث يتمرد جيل جديد عليها، يحبها لكنه لم يعد يقبلها بكل صراعاتها، بكل مخاوفه واحباطاته، اذ أن الجيل الذى فتح عينيه على صراعات عرقية ودينية ودوت فى أذنه أصوات الانفجارات، ولم يجد فيها ملامح من حكايات الأباء والأجداد والكتب القديمة، يعيش حالة تمزق تدفعه الى تركها والهروب منها الى بلاد الله الواسعة، لكنه رغم ذلك لايستريح ولايهدأ ويظل قلبه متعلقا بها. انها حكاية مخرجته وبطلته، وهى حكايات يمكن أن ترصدها فى مدن عربية عديدة تبدلت ملامحها، وتغيرت طباع ناسها فتشعرك بغربة وأنت فيها.

مخرجة الفيلم وبطلته فرح زين الهاشم هى واحدة من المعذبين بحب بيروت، درست السينما بنيويورك، وهى لأم لبنانية وأب كويتى، أخرجت سبعة أفلام وثائقية وروائية قصيرة، وهذا هو فيلمها الطويل نسبيا (تدور أحداثه فى سبعين دقيقة) وهو يجمع بين الوثائقى والروائى ويمزج بين الحقيقة والخيال، وقد انفردت فيه بكل شئ القصة والتمثيل والتصوير والمونتاج والاخراج، ويشارك ضمن مسابقة نور الشريف للأفلام العربية الطويلة بمهرجان الاسكندرية السينمائي.

ترويقة في بيروت 2

تهدى فرح الزين فيلمها الى المخرج اللبنانى مارون بغدادى، الذى تستهل به أول مشاهد الفيلم، وتستعين بلقطات أرشيفية له يتحدث فيها عن السينما، قبل رحيله فى حادث مصعد تسعينات القرن الماضى فى بيروت، وهو الأمر الذى يصيبها بفوبيا يجعلها تستعيد حادث مارون ويرعبها من استخدام المصعد الكهربائى، عسى أن يتكرر معها ماحدث لمارون، وتنطلق من هذه الفوبيا الى واقع ممزق، ربما يعكس ذاتها الممزقة أيضا، ويروى حكايتها التى هى جزء من حكايا بيروت، فبعد أن قضت أربع سنوات فى نيويورك لدراسة السينما، كان عليها أن تعد لفيلمها الأول الذى كتبته أربعة مرات ثم مزقت ما كتبته، وتبدأ الفيلم ببث مخاوفها وهى تعترف جسمى فى نيويورك، وعقلى فى بيروت، صرت أسأل نفسى، أيهما فرح الحقيقية، العقل أم الجسم، الوهم الذى صار حقيقة؟ أم الحقيقة التى صارت وهما، وفى لحظة تقرر السفر الى بيروت، والى الضاحية الجنوبية لتسأل اللبنانيين الذين تركوا الوطن وهاجروا الى بلاد أخرى، استقروا بها ووجدوا فيها مالم يجدوه فى بلادهم، عما دفعهم لهذا القرار وهل يعذبهم الابتعاد، أم الاقتراب؟.

ترويقة في بيروت 3

لبنانيون ولبنانيات تلتقيهم، وتتداخل أرائهم عن طريق المونتاج المتوازى، كل يبث همه فى مدينته التى لم يعد يعرفها، فيقول لها مصور لبنانى (حتى حرية حمل الكاميرا لم تعد ممكنة، يخرج لك من تصطدمى به، بيروت مدينة البحر، لكن البحر لم يعد جزءا من حياة أهلها، لأنهم أغلقوه لصالح شقق يسكنها قلة، وأحيانا لا أحد، مافى أماكن عامة فى بيروت)، ويواصل حكايته عن ذكريات وأماكن لم تعد فيقول: حتى المكان الذى كنت أمشى فيه وأنا صغير لم يعد، والمقهى الذى كنت أجلس فيه قبل سنوات اختفى، أنها تقتل ذكرياتك.

ويقول لبنانى هاجر الى كندا، بيروت انفجارات متواصلة، يشعر سكانها بالضياع والخوف، علاقتى بها صارت مثل علاقة عاطفية انتهت لكن لا أعرف كيف أغادرها، تجوب البطلة بكاميراتها فى شوارع بيروت، وسط زحام مرورها، ترصد تناقض كبير بين صوت أم كلثوم الذى يجسد الأصالة واعلانات لأغنية هيفاء وهبى (بوس الواوا)، تصبح الكاميرا رفيقتها، عينها التى تلتقط التفاصيل المعذبة، تنقل حواراتها مع صديقتها ناتاشا، تتحدثن طوال الوقت بانجليزية، وبضع كلمات بالعربية، تحكى صديقتها مثلها عن أزمات بيروت ومخاوفهن وهروبهن منها، تلتقى بفتيات ونساء قررن النزوح منها، ورغم أنها تلتقيهن جميعا فى شوارع ومقاهى لبنان لكنهن يحكين عن زيارات مؤقتة، وعن قرار اتخذونه بالابتعاد، وهى هنا لاتنقل أسمائهن، بل ترصد مشاعرهن اذ تتلاشى أهمية الأسماء أمام طوفان المشاعر المضطربة مثل الأحداث التى يعيشونها، البطلة نفسها تعترف أن المهاجر اللبنانى مريض متواصل، مريض بحب الوطن، ويخشى أن يشفا منه، وأن هذه مشكلة النزوح، مؤكدة : قد يكون سر بيروت أنها مثل الحلم الذى لايتحقق، والذى لو تحقق قد تفقد حبك.

ترويقة في بيروت 4

تبدو المخرجة شديدة الجرأة وهى تعاتب وتلوم وترصد مايجرى فى بيروت وتعلنه على الملأ، لايهمها توابع ذلك ولا صدمة عشاق المدينة، اذ كانت هى نفسها مصدومة، كأنها تراهن على تغيير ربما يحدث، لكن متى، لا أحد يعلم.

واذا كان مارون بغدادى هو البداية فهو أيضا مفتاح الفيلم، فهو قد سعى فى وقت من الأوقات للخروج من بيروت ثم عاد اليها لانه لم يستطع الابتعاد طويلا ليلقى حتفه فى حادث مأساوى، وفى الفيلم تبدو روح مخرجته وبطلته المتمردة فى تمردها على القواعد الفنية فتلمس شطحات فى التصوير، وقطع حاد فى لقطات المونتاج، فهل ترى أنه لو ظللنا نتبع القواعد المتعارف عليها، هل نقدم شيئا جديدا؟، سؤال المخرجة وأنا ايضا كذلك أضعه أمام الأجيال السينمائية الجديدة.