ثورة اليمن.. أخرجه عاطف سالم من 49 عامًا

3239 مشاهدة

يفضح جرائم الإمام الحاكم وصلاح منصور يتقمصه ببراعة مدهشة

«سينماتوغراف» ـ ناصر عراق

من أفلامنا النادرة… لم يشاهده إلا القليل… رغم أنه يحتشد بالنجوم، فهل يعود احتجاب فيلم (ثورة اليمن) لعقود متواصلة إلى اختفاء الحاجة التي أدت إلى إنتاجه وعرضه؟ أم لمشكلات فنية وتقنية؟

تعال نتعرف على الفيلم المصري الوحيد الذي تناول الشعب اليمني وثورته في ظل الحرب الدائرة هناك هذه الأيام، وفي أجواء (عاصفة الحزم) وصواريخها ودخانها.

 بوستر فيلم ثورة اليمن

الظلال التاريخية

عرض فيلم (ثورة اليمن) للمرة الأولى في 22 يونيو من عام 1966، أي في أوج الانتصارات الناصرية، وقبل أن تدق هزيمة 1967 رؤوس الجميع بعام واحد فقط، وبدون الدخول في التفاصيل التي دفعت عبد الناصر إلى مساندة ثورة الشعب اليمني ضد حكم الإمام في سنة 1962، إلا أننا يجب أن نعرف أن اليمن في ظل هذا الحكم كان أسيرًا للعصور الوسطى، وكان الإمام أحمد حميد الدين – وابنه محمد البدر – آخر حكام اليمن يمثلان عقبة أمام دخول الشعب إلى العصور الحديثة، الأمر الذي يؤكده المثقفون اليمنيون كلما سألتهم عن هذه الحقبة البائسة – كما يقولون – في الزيارتين اللتين قمت بهما لصنعاء الجميلة.

من هنا أرسل عبد الناصر الجيش المصري ليدعم ثورة الشعب التي اندلعت في 26 سبتمبر من سنة 1962 ضد طاغية هبط فجأة من العصور الوسطى ليحكم شعبًا عريقا في القرن العشرين، ورغم تحالف بعض الدول القليلة مع الإمام الابن بعد موت الإمام الأب، إلا أن الشعب نجح في النهاية في الإطاحة بالمستبد وأقام دولته الحديثة، لكن بعد حرب دامت نحو ثمان سنوات انتهت عام 1970 بانتصار الجمهوريين بقيادة المشير عبد الله السلال على أنصار الإمام ورجاله.

في ذلك العام الذي عرض فيه (ثورة اليمن) بلغ عدد المصريين نحو 31 مليون نسمة، وقدمت السينما المصرية 36 فيلمًا، من أهمها: (صغيرة على الحب/ خان الخليلي/ فارس بني حمدان/ مراتي مدير عام/ ليلة الزفاف/ شيء في حياتي/ سيد درويش/ الزوج العازب/ القاهرة 30/ الحياة حلوة/ 30 يوم في السجن)، وكلها كما ترى تعكس أنماطا مختلفة من حياتنا الاجتماعية، وكثير من هذه الأفلام اتسم بالجدية وحقق المتعة المنشودة.

لكن السينما في هذا العام أيضا – 1966 – قدمت نجمًا جديدًا، لكنه نجم من اليمن الشقيق، وأقصد المطرب أحمد قاسم حيث تصدر بطولة فيلم (حبي في القاهرة) الذي أخرجه عادل صادق ولعب الأدوار الرئيسة كل من زيزي البدراوي ومحمود المليجي وزوزو ماضي وتوفيق الدقن، الأمر الذي يوضح عمق العلاقات بين الشعبين بعد نجاح الثورة في اليمن.

 لقطة من فيلم ثورة اليمن

الديكتاتور والطائرة

اختار عاطف سالم مخرج الفيلم أن تسخر المقدمة من الحاكم الديكتاتور، وهكذا بعد أن ظهرت خريطة العالم كاملة على الشاشة، اقتربت الكاميرا من اليمن وحددتها بمربع، كما فعل حدث مع مقدمة الفيلم العالمي الشهير (كازابلانكا/ 1942)، ثم خرجت سمكة من البحر، وظهر الحاكم الإمام، لتتحول السمكة إلى امرأة، يتحسسها الحاكم بشهوانية، وهكذا تظل الصورة الكوميدية للحاكم الشهواني تتأرجح طوال مقدمة الفيلم!

المقدمة نفذها بمهارة رائد الرسوم المتحركة مهيب، والفيلم بالألوان، وأنتجته الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، وكتب قصته صالح مرسي (مؤلف المسلسل الموفور الصيت رأفت الهجان)، بينما كتب السيناريو والحوار كل من علي عيسى وعلي الزرقاني، أما الأبطال فهم ماجدة وحسن يوسف وعماد حمدي وصلاح قابيل وعمر ذو الفقار، وقد لعب دور الإمام ببراعة الممثل المدهش صلاح منصور.

يبدأ الفيلم بعودة منصور – حسن يوسف – إلى اليمن بعد غياب 12 سنة أنهى خلالها دراسة الهندسة في القاهرة… إنه في الطائرة… الطائرة فوق سماء اليمن… الطائرة لا تهبط… كابتن الطائرة يتصل بالمسئول على الأرض طالبًا الإذن بالهبوط من السماء… المسئول يتصل بقاضي تعز وسكرتير الإمام… القاضي يدخن الشيشة… القاضي يأمر أن تظل الطائرة معلقة في الهواء حتى يأخذ الإذن من الحاكم… الحاكم يلهو مع النساء… الحاكم يأمر بهبوط الطائرة المعلقة في الجو… الحاكم يُجن حين يعلم أن على متنها شاب يمني متعلم، فيأمر بمراقبته!

مشهد البداية ساخر وطريف، ويكشف بذكاء كيف تدار البلاد، حيث يظهر الإمام بوصفه المتحكم الأول حتى في سماء اليمن، ولما يهبط منصور من الطائرة يلقى الحفاوة من أسرته وأصدقائه، ثم تتجول الكاميرا في الأرجاء لنشاهد الجبال المحيطة والفقر المقيم والطرق الضيقة والبيوت اليمنية ذات الطراز الخاص، ثم نكتشف من خلال حوارات قصيرة ذكية أن اليمن ليس به مواصلات عامة ولا سيارات، فيتذمر العائد من مصر ويتعجب، لكنه يصاب بالذعر عندما يرى الرؤوس المعلقة على بوابة “تعز”، ويكتشف أن هؤلاء عارضوا الإمام، وأن الإمام هو أمير المؤمنين الذي ينبغي طاعته كما قال له أبوه وأفراد أسرته!

 لقطة  من فيلم ثورة اليمن

الديكتاتور والقطار

من خلال مشاهد سريعة نتعرف على تفاصيل الحياة اليومية للإمام، فهو شخص أعرج – دلالة على العجز – مهووس بالملذات الأولية من طعام وخمور ونساء، تسحره لعبة القطار الذي يتحرك بالزمبلك، فيظل متسمرًا أمامها تحيط به الحسناوات الأجنبيات اللاتي يتفنن في تدليله وإرضاء نزواته.

ومع ذلك فهذا الإمام يخفي الذخيرة المستوردة ويرفض إعطائها للجيش لأنه يخشى من تمرده، وهكذا تدور حبكة الفيلم حول الجماعات السرية التي تناضل للإطاحة بحكم الإمام، ومحاولتها المستميتة في الوصول إلى المكان الذي أخفى فيه الأسلحة لتنطلق ساعة الصفر إيذانا بالثورة.

لعب صلاح منصور دور الإمام الطاغية الشهواني بمهارة حقيقية، واستطاع أن يطوّع صوته ليشبه النبرة اليمينة الجميلة، وعندما استطاع حسن يوسف ان يعيد تشغيل القطار اللعبة المتعطل هلل الإمام صائحًا (ما شاء الله ما شاء الله)، في مشهد من أجمل مشاهد الفيلم إظهارًا لعبقرية هذا الممثل الفذ.

لقطة 2 من فيلم ثورة اليمن

مشاهد متكررة

يبدو لي أن ظلال السينما الأمريكية ستلون الكثير من أفلامنا، فهناك مشهد شهير من فيلم (كوفاديس/ Quo Vadis ( لللمخرج Mervyn Leroy، والذي لعب بطولته كل من روبرت تايلور وديبورا كير وبيتر استينوف الذي تقمص شخصية نيرون حاكم روما.

المشهد يتلخص في الآتي: يأمر نيرون بأن تخرج الأسود من أقفاصها إلى الساحة المسوّرة لتلتهم الممسيحيين المقيدين الذين يعارضون نيرون الذي يتابع عملية التوحش بسعادة، وفي (ثورة اليمن) يأمر الإمام بأن تلتهم الأسود أحد المعارضين، لكن شتان بين المشهدين… وأنت تفهم بطبيعة الحال!

كذلك تفوح من الفيلم أجواء مشابهة لفيلم (جميلة بوحيرد/ 1958) ليوسف شاهين، وماجدة هنا تنضم إلى الثوار بعد أن قتل الإمام جميع أعضاء قبيلتها، وكالعادة تشتعل قصة حب بينها وبين ابن عمها منصور، ثم نكتشف بمرور الأحداث أن قائد الحرس الإمامي – عماد حمدي – هو زعيم الثوار، ومع موت الإمام، ومحاولات ابنه البدر الاستيلاء على السلطة والتحكم في البلاد، يصل الثوار إلى مكان الذخيرة وتندلع الثورة.

أجمل ما في هذا الفيلم أن الحوار كتب بلغة فصحى معززة بلهجة يمنية مبسطة، وقد أجاد الممثلون اداء أدوارهم بشكل عام، كما جاءت الألوان متوازنة وناقلة للمناخات اليمينة وسحرها الدائم.

لكن يندرج (ثورة اليمن) في إطار الأفلام الدعائية التي يلجأ إليها أي نظام في تسفيه وتشويه الأنظمة المضادة، خاصة إذا كان في حالة حرب مع هذه الأنظمة، وهو ما يفسر – إلى حد ما – لماذا اختفى هذا الفيلم من على شاشاتنا بعد وفاة عبد الناصر ووصول السادات إلى السلطة وانقلاب الأحوال!.