جنون يوسف شاهين الإبداعي

1990 مشاهدة

انصفته أقلام نقاد أستوعبت ما كان يقدمه من رؤى وأفكار

خاص ـ «سينماتوغراف»

إذا ما فكر دارس أو مهتم أن يتناول تاريخ السينما المصرية وكشف محطاتها، ومفاصلها الأساسية، وإظهار أعمالها الإبداعية بكل المقاييس العلمية والتقنية، فإن يوسف شاهين – المخرج المجنون – كما كان يصف هو نفسه سيحتل الأولوية في عملية بحث التاريخ هذه.. بأعماله وطروحاته وأفكاره ولمساته الإبداعية في السينما وفي المواقف والرؤي على حد سواء.

يوسف شاهين، المولود في 25 يناير من عام 1926 بالاسكندرية، ذلك المبدع الذي قضي من عمره في السينما زهاء ستة عقود من السنين، كان هو الأقدر خلالها، ومنذ فيلمه الأول الذي حمل اسم «بابا أمين» عام 1950، وكان إذ ذاك لم يبلغ الأربعة والعشرين عاماً، على أن يكون مخرجاً متميزاً له سماته وبصماته على فن كان حتى ذلك الحين يعتبر جديداً وطارئاً على الإبداع العربي في مجال المعرفة والتقنيات السينمائية، وعلى الرؤية والثقافة البصرية لغالبية العرب الذين أراد يوسف شاهين أن يكون واحداً من المؤثرين عليهم في تغيير النمطية السائدة في التعامل مع كل أولئك الذين وجدوا في الفن السابع «فن السينما» تقليداً للغرب في محاكاة قصص تخلق عالماً أسطورياً أو خرافياً في ذهن المتفرج وحتى عند محبي السينما. وصعود يوسف شاهين على النحو الذي احتل قمته في السينما العربية والعالمية، ايضا، يعود إلى أنه أعطى ما يريد أن يعطي لهذه السينما وكأنها «أرض» يتعامل معها مزارع ماهر وفلاح مجد آمن بأنه بمقدار ما يعطي من جهده لهذه الأرض، فإنها ستعطيه من مردودها بما يفيض.

والسينما عند يوسف شاهين هي «مهنة جنون» ولكن بالقدر الذي يؤثر فيها ويفكر ويبدع.. وهكذا تحدث يوسف شاهين عن رؤيته التي أعلن عنها بعد انتهائه من فيلمه الشهير «عودة الابن الضال» الذي أخرجه عام 1976 وكان حديثه في مكتبه بالقاهرة للصحافة حين ربط رسالة السينما ومهمتها بالواقع وأحداثه وبضرورة «ألا ننفصل في أعمالنا وكل مناحي تفكيرنا عن هذا الواقع» وأعقب بقوله «أنا مجنون سينما، وإذا كان هناك من مجنون آخر فأنا على استعداد للاتفاق معه أو أشاركه في هذا الجنون الذي لا يتجزأ».

وجنونه كما يُتَصَور مبعثه أنه كان يريد أن يكون خارج إطار كل الضغوطات والمؤثرات التي تسلبه عقله أو جنونه الإبداعي.. يريد أن يظل يغرّد خارج سرب المألوف، ودون الخضوع لإرادات ورؤى وتصورات تفرض عليه التنازل عن جنونه وترجم ذلك بكل وضوح، وبشفافية فنية وإبداعية رائعة في فيلم «العصفور» الذي تناول فيه هزيمة يونيو 1967، وما تلاها أو سبّبها من تداعيات وتحليلات. وتمسك بمقاومته للفساد وللهزيمة بالحرية.. حرية التخلي عن إغلاق قفص العصفور وإطلاق سراحه تعبيراً عن إطلاق حرية الشعب في أن يخطو بسواعدهم وأجسادهم الطريق إلى حريتهم وحرية الوطن، برفض الانحلال وبمواجهة الخناق وكوابيسه على النفوس البريئة الطاهرة بالرد على الهزيمة.

ويبدو أن «جنون يوسف شاهين الإبداعي» ما كان لينضج على النحو الذي واصل طريقه فيه دون فضح كل أولئك الذين وجدوا في تجربته السينمائية «السياسية» أنها لا تتفق ومفاهيم النقاد والمنظرين السينمائيين، فآثروا مهاجمته على اعتبار أنه نقيض «للسائد» وهو ما آلمه.. لكن ذلك فتح أمامه طريق الخلاص لينصف فيما بعد «ولو طال الزمن» باقلام نقاد وسينمائيين استوعبوا ما يطرحه من رؤى «جنونية» تستحق جهد العقل لاستيعابها وإدراكها وتمثُّلها وسط بحر متلاطم من الأفكار والتعاليم والمواقف المضطربة إلى حد التناقض بين ما هو قائم وما سيكون، بين واقع يحتاج إلى تشخيص وآخر مجبول بالسكون والدعة والتراجع عما يحكي عن الجمال والذوق وأفكار الحق والعدل والتسامح والمحبة.

وعبر هذه السلسلة المتكاملة وبإحكام، تعامل يوسف شاهين وبجنونه العبقرى مع الواقع والسينما.. مع الماضي والحاضر، ومع المستقبل وأدواته، وحمل على امتداد رحلته الفنية كلها راية السينما، وفق عادات وتقاليد وتراتبية ونمطية لا تقف أمام العمل الإبداعي و«الجنون» السينمائي حسب تعبيرات «جو» شاهين وبفضاءاته الواسعة والعريضة وآفاقه دون حسيب أو رقيب، حتى ولو تم وصفه بالمجنون.