جيرار كوران: «السينماتون» مدرستي والأفلام المضغوطة هديتي للمستقبل

159 مشاهدة

«سينماتوغراف» ـ حاوره: أسامـة عسـل

هذا اللقاء أجريته عام 2011 ولم يكن بترتيب مسبق، بل لعبت الصدفة فيه والملابسات الغريبة دوراً ليكون وثيقة سينمائية هامة، حيث جمعني بالسينمائي الفرنسي جيرار كوران الزميل صلاح سرميني (مخرج وناقد وسينمائي مقيم في فرنسا)، وكان في ذلك الوقت مستشاراً لمهرجان الخليج السينمائي، ومن ثم  فهو المسؤول عن فعالية تسليط الضوء على هذا المخرج العالمي وأصدر كتاباً عنه ضمن فعاليات دورة المهرجان الرابعة، وأردت انتهاز الفرصة للاستفادة من الموقف لسببين أولهما بساطة كوران ومزاجيته العالية وطلبه تصويري لأدخل دنيا (السينماتون) وأحتل في ذلك الوقت الرقم 2622، وثانيهما للاستفادة من إجادة صديقي للفرنسية في إجراء الترجمة.

وتركنا سرميني مقترحاً عودته بعد 3 دقائق و20 ثانية وهي الفترة التي أصبحت طقوساً مع كل بورتريه يصوره كوران، وفور الانتهاء من التصوير فوجئنا بأن سرميني قد اختفى، وبحث معي المخرج الفرنسي عنه ما يقارب النصف ساعة وهو يستشعر حرجي من الموقف لعدم إجادتي الفرنسية وهو لا يتحدث الإنجليزية، وشاءت الظروف أن يأتي طرف ثالث يجيد الفرنسية والإنجليزية ولا يعرف العربية، وتحول اللقاء إلى مباراة في الترجمة بين اللغات الثلاث ليكون الحوار التالي مع صاحب أطول مشروع سينمائي متواصل في تاريخ السينما.

* دعني أبدأ معك من عنوان الكتاب الذي أصدره المهرجان عنك في إطار تسليط الضوء على أعمالك، هل تعتبر ما تقدمه من أفلام حقاً سينما؟

– هذه ليست فقط مجرد سينما بل هي السينما التكاملية

* وما هي السينما التكاملية من وجهة نظرك؟

– محاولة تصوير أماكن وأشياء وقصص لم يتطرق إليها أحد من قبل، ومن ثم فإنني أعتبر نفسي سينمائي أكثر من كل السينمائيين الآخرين، لأنني دائماً أصور وبشكل يومي دون انقطاع، مثل الرسام والكاتب الذي يشتغل يومياً على فنه.

* هناك أحياناً لوحات يرسمها بعض الفنانين وقد تعكس ظاهرة أو اتجاه أو مدرسة فنية ورغم ذلك تبدو غير مفهومة للمشاهدين، هل تشعر بأن كثيراً من أفلامك مثل تلك اللوحات لا يستوعبها الجمهور؟

– صعب أن تقارن بين فيلم ولوحة ولكن بالنسبة لي حقيقة لا أعرف ما إذا كان الجمهور يفهم أعمالي أم لا، ومن جهتي أحاول أن أصور بأبسط طريقة يمكنها أن تصل للمشاهد بشكل مباشر، وقد تعلمت هذا من مخرجين آخرين ثم اعتمدت منهجي الذي يتلخص في لقطة كبيرة صامتة ثابتة وبدون أي حركة للكاميرا وبمدة زمنية 3 دقائق و20 ثانية (وهي المدة الزمنية لعلبة شريط الخام لكاميرا سوبر8 بسرعة 18 صورة في الثانية) وخلالها أترك للشخصية حرية فعل ما تشاء أمام الكاميرا، أو أصور لقطة واسعة للأماكن والشوارع وأترك اللقطة تصنع الفكرة التي تكون وليدة اللحظة، وهذا ما يلخص بشكل موجز أسلوب السينماتون.

* وماذا يعني مصطلح السينماتون؟

– هو اشتقاق لفظي من كلمتين الأولى اختصار للسينما والثانية تعني في اللغة الفرنسية العامية المشاهدة أو التحديق والمراقبة بتركيز، وفي اللقطة التي أصورها بهذا الأسلوب قد اجمع بتناقضات وتوافقات في آن واحد إما لوجوه بشر أو أماكن.

* صورت بهذه الطريقة وهذا الأسلوب أطول فيلم في تاريخ السينما (156 ساعة حتى هذه اللحظة) وما زلت مستمراً في زيادة طول عدد ساعات هذا الفيلم، هل تريد أن تضرب به رقماً قياسياً؟

– الموضوع ليس هكذا بالنسبة لي، ولتقريب الفكرة أنا أحب الرياضة وشغوف جداً بسباق الدراجات والسينما مثل الرياضة تماماً، أمران يحتاجان إلى تدريب كثير وفي كليهما لابد أن تكمل حتى تصل إلى خط النهاية.

* ما الذي يميز أسلوب السينماتون؟

تصوير اللقطات والمشاهد حسب التسلسل الزمني، فإذا كان هناك مشهدان وراء بعضهما وغير مرتبطين أصورهما، وبالتالي ما يراه الناس في سينماتون هو تسلسل وقتي أكثر منه جمالياً وتناسقاً، لأنني لا آخذ شيئاً قبل آخر زمن مهم حدث ومهما كانت نتيجته.

* ما هو الرقم الذي وصلت إليه تسلسلاً في سينماتون؟

– الذي صورتك فيه منذ قليل وكان يحمل رقم 2622 (يوم 16 أبريل 2011).

* وما هو شكل نهاية السينماتون ومتى توقف هذه السلسلة؟

– صراحة لا أعرف شكل النهاية، وكنت قد توقفت مرحلة لكني عدت حالياً، ولا أدري متى أقرر أن أضع لها وقتاً للإنهاء.

* متى كانت أول لقطة صورتها في حياتك، وما هي تفاصيلها؟

– أول لقطة صورتها كانت في عام 1970، حيث كنت في المدرسة ومعي زملائي وكنا قد قررنا تصوير مشهد من فيلم قصير عن مصاصي الدماء، والذي يجعلني أتذكر هذا المشهد هو موت شارل ديجول في ذلك الوقت حيث كان هناك حداد والمدارس مغلقة وأعطانا ذلك الفرصة لتنفيذ هذا العمل.

* مثل بعض الاتجاهات السينمائية العالمية التي تظهر بين الحين والآخر، صنعت ما يعرف بـ (الأفلام المضغوطة) لماذا؟

– عندما ظهر جيل جديد في السبعينات والثمانينات رأيت أن شريحة كبيرة من تلك الأجيال لا تعرف كثيراً من الأفلام السابقة عن هذه المرحلة بدعوى أنه ليس لديها وقت للمشاهدة، وجاءت فكرة (الأفلام المضغوطة) لتكون هديتي للمستقبل وبدلاً من أن يضيع مثل هذا التاريخ ضغطت الفيلم بدقيقتين أو ثلاث وأحياناً أربع لأعطي الفرصة للجمهور الجديد أن يتعرف عليه، وإذا أعجبه يمكنه مشاهدته كاملاً وهي طريقة أردت من خلالها الحفاظ على الفيلم الطويل من جيل إلى آخر.

* ما هي الأفلام التي طبقت عليها هذه الطريقة المضغوطة؟

– أول تلك الأعمال فيلم (ألفا فيل) لجان لوك غودار وكان ذلك عام 1995 في وقت لم تكن التكنولوجيا قد تطورت بالقدر الكافي، وبالتالي كانت محاولاتي في هذا المجال بطيئة، ومع عام 2007 وظهور تقنيات حديثة وسريعة أقدمت على ضغط أفلام عدد كبير من المخرجين منهم بازولينيني وأريك رومير والأخوان لوميير وسين كونري، وكذلك بعض أفلامي الخاصة.

* في أفلامك الطويلة، هل تهتم باللقطات الثابتة وتطبق السينماتون، أم تتعامل مع المشاهد مثلما هو معروف سينمائياً؟

– أقدمت على عمل فيلمين طويلين فقط، لكن الفكرة عندي ليست صور ثابتة أو مشاهد كما هو معتاد، بل في استخدام تكنيك واكتشاف مناطق في السينما لم يفكر ولم يستخدمها أحد من قبل والتي أطبقها تلقائياً وبشكل عفوي.

* هل تعتبر نفسك مدرسة خاصة في السينما أنت مبدعها؟

– نعم هي مدرسة لنفسي أكثر منها للآخرين، ولا يوجد فيها تلاميذ مشهورون وعلى مدار سنوات كان هناك من ينضم إليها، وكثيرون لم يتابعوا على نفس المشوار، وحالياً يوجد عدد قليل يتعلم مني أسلوب السينماتون ويقدمونه في أعمالهم بالطريقة ذاتها.

* رغم كونك أنجزت 260 فيلماً منذ منتصف السبعينات، لماذا يطلق البعض عليك تندراً لقب أكثر المخرجين كسلاً في العالم؟

– لأنني أطبق مبدأ لا بد أن تبذل جهداً كبيراً حتى تصبح كسولاً، وهي دعاية لفتت الانتباه إلى ما قدمته وسبقت به مخرجين سينمائيين آخرين، ولتأكيد ما أقوله كنت قد قررت تصوير سباق فرنسا للدراجات وكانت به مرحلة صعبة فيها هضاب ومطبات صعبة ومياه، وقررت خوض التجربة بنفسي لأعرف كيف يكون تصويرها قبل السباق، وطبقت من خلالها المقولة الفرنسية (لابد أن تعرق لكي تحصل على ما تعشقه) وأعتقد أن هذا هو ردي على من يطلقون على أنني أكسل مخرج في العالم.

* في بعض أفلامك يبدو المشهد طبيعياً، ثم يتحرك فجأة سريعاً إلى شيء آخر يرصده وقد تنسى أو تتناسى ما بدأت بتصويره، ما هو تعليقك على ذلك؟

– هذه المشاهد مثل الملاحظات وتماماً أتعامل معها مثل كتابة الملاحظات على الورق، حيث تظهر فجأة فكرة أخرى أكتبها وتأخذني بعيداً عما بدأت فيه، والطريقة نفسها أتعامل معها سينمائياً وتسبب لي اختلافاً عن آخرين.

* أيهما أقرب لك في حياتك الكاميرا أم المرأة؟

– أهم شيء بالنسبة لي هو كيف أجمع الاثنين المرأة والكاميرا مع بعضهما البعض.