حلقة بحث عن السينما المصرية على هامش القاهرة السينمائي

1423 مشاهدة
حلقة بحث عن السينما المصرية على هامش “القاهرة السينمائي”
من الميلودراما إلى الواقعية والكوميديا الموسيقية مرورا بأفلام الحركة
 تعددت الأنواع وتنوع المخرجون .. والسينما واحدة 
 
القاهرة ـ “سينماتوغراف”
 
أقيمت على هامش أسبوع النقاد الدولى أحد فروع مسابقات مهرجان القاهرة السينمائى الدولى حلقة بحث عن السينما المصرية وأفلام النوع بالتعاون مع برنامج الثقافات المرئية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تحدث فيها كل من د.ميشيل سيرسو، د.سلمى مبارك ، أحمد حسونة ، د.رانيا يحيى، المخرج سمير سيف، عرب لطفى ود.مالك خورى.
 
وعلقت د.سلمى مبارك أستاذ الأدب بجامعة القاهرة عن إعادة اكتشاف الميلودراما فى السينما المصرية كشكل فنى سهل والعودة لأصولها مؤكدة أنها نوع هجين مر عبر فنون عديدة بدأ بالمسرح ثم الرواية ثم السينما، ظهر فى القرن الـ 18 أعقاب الثورة الفرنسية وارتبط بحقبة من التقلبات الإجتماعية والثقافية أطلق عليه “درامب ” أو دراما مصاحبة بالموسيقى لكنها ليست كالكوميديا الموسيقية وهي عبارة عن فقرات موسيقية تتخلل الشخصيات، لكن الجمهور سريعا ما مل تلك النوعية، وأضافت: “ما بين عام 1800 و1830 ظهرت الدراما على المسرح الأوروبى وكان القرن الـ 18 العصر الذهبى للميلودراما واشتهر فيه كتاب عظام مثل “ايملى برونت” و”تشارلز ديكنز” وتدين لهما الميلودراما بالكثير، أما بالنسبة للسينما وبعيدا عن القوالب الدرامية البحتة أصبحت الدراما أسلوبا يتخلل أنواعا أخرى مثل قصص الحب وقصص الحرب وتلك كانت وجهة نظر “بيتر برونكس”، أما “إدجار مورا”  فيرى أن الدراما إحياء لتقاليد من الحكايا الشعبية”.
 
وتابعت مبارك: “هناك وجهتا نظر فى الميلودراما فى السينما المصرية احدهما لفيولا شفيق التى قالت إنها بدأت مع السينما المصرية مع فيلمى “زينب “و “ليلى”، ونرى أن استخدام هذا النموذج فى هذه المرحلة وهى فترة المد القومى والحركة النسوية كان مناسبا .. ووجهة النظر الأخرى هى لمحسن ويفى الذى تحدث أيضا عن الدراما، ويرى أنها سيطرت على أنواع السينما المصرية مثل كوميديا الفارس واستمرت حتى مع ميلاد التيار الواقعى فيما يرى نقاد آخرون أن الميلودراما ما هى إلا نوع من أنواع الضحك على المشاهد !”.
 
وعرضت مبارك نموذجان للميلودراما فى السينما المصرية هما فيلم “أنا بنت ناس” إخراج حسن الإمام وفيلم “أيامنا الحلوة ” إخراج حلمى حليم ويتفق الفيلمان – كما تؤكد – على وجود بيئة عميقة للميلودراما .. ففى فيلم “أنا بنت ناس” نرى ثنائيات كثيرا ما تستخدمها الدراما أولها سعى البطلة إلى اعتراف المجتمع بها، وثانيها الكارثة فالدراما محورها الكارثة، والكارثة لا تأتى وحيدة أبدا وإنما عن طريق التراكم فى الأحداث والمغالاة وهى الآليات التى تقود السرد للأمام ، وحالة الخروج يقابلها حالة من الدخول ففى هذا الفيلم تخرج البطلة من المكان الآمن وهو حجرة السطوح الى الجدة ثم الأب وتتراكم الفواجع وتنهمر الدموع ، والبكاء سمة من سمات الميلودراما وكثيرا ما يصاحب صورة الدموع صوت المطر.
 
وترى د.سلمى مبارك أن نظام الشخصيات فى الميلودراما يعتمد على االشخصيات المتناقضة وشخصية نعمت فى فيلم “أنا بنت ناس” تحتوى على هويتين اولهما شخصية النجمة المحبوبة وهى “فاتن حمامة” والثانية شخصية بطلة الفيلم وهى ضحية، والضحية دائما تعانى من نقص ما سواء من الأهل أو المال، واليتم أيضا من الحالات الدارجة فى الميلودراما وغياب الأب دعامة دائمة للميلودراما ..والصراع فى الميلودراما هو صراع بين الخير والشر دائما، وما يعطى النهاية السعيدة هو الاعتراف بالحق دون أى شكل طبقى.
 
أما فى فيلم “أيامنا الحلوة” فنجد تطويرا للشكل الدرامى الكلاسيكى وأيضا القصة تبدأ بالخروج وعنوان الفيلم يدل على البهجة لكن خلفها دلالات البهجة والحزن وذلك عكس الاتجاه السائد فى الميلودراما، والبطلة فى الفيلم أيضا ضحية لليتم والفقر ونجد فى الفيلم ثنائية شهيرة من ثنائيات الدراما وهى الجهل المعرفى، فهى يتيمة مجهولة النسب فدائما نجد الشخصيات تتوجس منها لجهل المعرفة بها وتجتهد فى تعريف نفسها للمجتمع ونجد فى الفيلم كل خصائص الدراما :
 
ثنائية الحزن والفرح – ثنائية الجهل والمعرفة – الضحية – ثنائية الفقر والثراء – اليتم – المبالغة فى الود والشهامة – المرض والبحث عن شخصية الشرير،  وعندما نبحث عن شخصية الشرير فى الفيلم لانجد، وفى رأيى أن الشرير هنا هو مرض “السل”، وتؤكد مبارك أن السمة البصرية والسمعية تمهد لمأساة البطلة فنجد تقاطعا ومساحات الظلال والنور وهذا الشكل من الإضاءة يضفى الكآبة للمشهد .. والسمة الثانية الموسيقى فالموسيقى فى الفيلم تأتى من مصدرين الأول أغانى عبد الحليم والثاني الموسيقى التصويرية لآرام خشمونيان.
 
وتداخل البهجة مع الحزن ليس من علامات الدراما فى رأى د.سلمى مبارك قائلة “الموسيقى لها شحنة انفعالية جامدة لأن مؤلف الموسيقى من أصول ارمينية وهى موسيقى لها طراز شرقى يحرك المتلقى العربى واستخدمت موسيقاه كثيرا فى السينما وهذه الموسيقى أحيانا تكون أقوى من الموقف”، وترى مبارك أن نهاية الفيلم كانت صادمة مرتين أولها موت البطلة وهى النجمة المحبوبة ثانيا تحول البهجة إلى مآساة وتعمد البطلة مخالفة أوامر الطبيب بعدم التحرك لأن ذلك يعرضها للموت فينتهى الفيلم بمشهد ترك البطلة للسرير حيث تذهب للنافذة وتسقط لتموت وهذا يبتعد عن الشكل الكلاسيكى للميلودراما.
 
وتؤكد د .سلمى مبارك فى ختام كلمتها فى البحث أنه ما بين عامى 1951و1955 حدث تطور داخل نوع الميلودراما ونحن أمام نوع عنده ديناميكية عالية عنده تطور باستمرار وذلك يجعلنا نبحث عما يميزه فى السينما المصرية،  وانتقل الناقد والمخرج “أحمد حسونة ” إلى نوع آخر من السينما وهو “الفيلم نوار” وهو اكتشاف فرنسى اكتشفه النقاد الفرنسيون فى الخمسينات بعد الحرب العالمية الثانية – كما يؤكد حسونة- مضيفا ” فى تلك الفترة كان استيراد الأفلام السينمائية من الولايات المتحدة الامريكية إلى أوروبا يواجه صعوبات كثيرة، وفى تلك الفترة أسس النقاد الفرنسيون عددا من المجلات السينمائية المتخصصة لعل أشهرها “كراسة السينما ” وحين بدأ الاستيراد يجد طريقه وتراجعت الصعوبات بدأت الأفلام الامريكية تعرض فى دور السينما الاوروبية وحينها وجد النقاد أن السمة الغالبة عليها هو “طابع الجريمة” وأطلق عليها “أفلام الجريمة  السيكولوجية” والتعبير هنا جاء من الروايات الشعبية الخاصة بالجريمة وكتب عنها العديد من النظريات، ولعل من أشهر أفلام تلك الفترة فيلم “الصقر الملطى” وشعر الجمهور الفرنسى أن هناك أفلاما مختلفة عما اعتاد عليه وخاصة في الشكل والمضمون والشخصيات نفسها.. الشكل يعتمد على مناطق نائية وعادة الكادرات تكون مائلة وتلك الكادرات مأخوذة من السينما الألمانية، وصناعة السينما فى مصر بدأت بالتأثر من السينما الألمانية وكثير ممن دشنوا صناعة السينما فى مصر تلقوا دراسات فى المانيا عن السينما واستوردوا التعبيرية الالمانية للسينما المصرية “.
 
ويضيف حسونة “إن شخصيات (الفيلم نوار) ليست بطولية وغير محددة ماهيتها هل هى خير أم شر مثل الميلودراما بل هى شخصيات غير واضحة بها نوع من الازدواجية فى تركيبتها ..وبالنسبة للسرد أو الحبكة لا تكون واضحة مثل الميلودراما وفى أفلام (الفيلم نوار) التوقع عند الجمهور يكون مهما، وفى السينما المصرية رأيت أن من أهم افلام (الفيلم نوار) هي فيلم “من أجل إمرأة ” للمخرج كمال الشيخ وهو واحد ممن قدموا الفيلم نوار بشكل جيد وهو مأخوذ عن الفيلم الأمريكى “هوية مزدوجة”، لكن الفيلم المصرى لم ينجح فى خلق حالة الفيلم نوار بداية من الاسم وهو من أجل إمرأة وفى رأيى أنه أضعف الموضوع لأنه ركز على الجريمة أكثر من المرأة، وهو يعتمد على الثالوث الشهير (الزوج – الزوجة والعشيق) واتفاق الزوجة مع العشيق على قتل الزوج وغلب الطابع التجارى على الفيلم المصرى أكثر حتى فى الموسيقى التصويرية التى تميزت فى الأمريكى اكثر لأن فى المصرى تميل الموسيقى  أكثر لتجسيد علاقة الحب بين الزوجة والعشيق.
 
أما فيلم “المنزل 13” لكمال الشيخ فينتمى للفيلم نوار لكنه ينتمى أكثر للسينما التعبيرية الألمانية ، وفيلم “إمراة فى الطريق ”  للمخرج “عز الدين ذو الفقار” ينتمى لنوعية الفيلم نوار أيضا،  وإن كنت – والكلام على لسان أحمد حسونة – لم اعجب به كثيرا للمبالغة فى تمثيل أبطاله وعدم ملاءمة بطلته “هدى سلطان ” للدور وأيضا نهاية الفيلم التراجيدية ومن أهم سمات الفيلم نوار كما يقول أحمد حسونة استخدام الرموز الجنسية ففى فيلم امرأة فى الطريق نجد مشهد “شكرى سرحان” وهو يملأ سيارته النقل بالبنزين بينما هو عاجز جنسيا عبر عنه هذا المشهد.
 
ومن أكثر الأفلام المعبرة عن الفيلم نوار فى السينما المصرية فيلم “الرجل الثانى”  لذو الفقار أيضا واستخدام كل سمات الفيلم نوار من الاضاءة القاتمة واستخدام الظلال واستخدام الرموز الجنسية و”تأطير” الكادر الذى يعبر عن عزل الشخصيات بعضها عن بعض أو عزلها عن نفسها.
 
ويرى حسونة أن فيلم “دعاء الكروان” لبركات رغم أنه ينتمى لنوعية الميلودراما الا أنه يستخدم كل عناصر الفيلم نوار بداية من الموسيقى التصويرية لأندريه رايدرونفس الموسيقى بالمناسبة مستخدمة فى أفلام الرجل الثانى وإمرأة على الطريق لكن بتنويعات بسيطة، ويضيف أحمد حسونة أن الفيلم نوار ظهر فى امريكا بعد الحرب العالمية الثانية واستمر خمس سنوات ثم بدأ يختفى لكنه بدأ فى الظهور ثانية وكان له تأثير على أفلام أخرى .. ويكاد يختفى من السينما المصرية أيضا فلم يعد هناك أفلام تنتمى للفيلم نوار اللهم فيلم “ملاكى اسكندرية ” فى السنوات الأخيرة لكنه تحول الى فيلم أكشن أكثر، وينبغى أن تقوم دراسات أكثر على الفيلم نوار فى مصر لأنه غير منتشر الآن وهو ما سيساعد على تطوير الدراما.
 
وتحدثت د. “رانيا يحيى” الأستاذ بالمعهد العالى لنقد الفنى عن نوع آخر من السينما وهو “الكوميديا الموسيقية” مستهلة حديثها قائلة :” كنت أعتقد أن البحث فى نوعية الافلام أمر سهل لكنى فوجئت أن أجناس السينما شيئ صعب جدا وتحديد نوع الفيلم مهمة شاقة وصعبة خاصة أنى وجدت أن المتخصصين يجدون صعوبة فى تحديد نوعية الكوميديا الموسيقية وهل تندرج تحت نوع الفيلم الموسيقى أم لا؟ مما اثار حيرتى بعد كل هذا اللغط والتخبط الا أن وجدت -وباختصار- أن الكوميديا الموسيقية يجب أن يتوافر فيها أهم عنصرين وهما : “المرح -الموسيقى” ولا أقصد هنا الموسيقى التصويرية لأنها تكون مصاحبة للفيلم ويتم وضعها بعد الانتهاء من تصوير الفيلم. ولكنى أقصد الموسيقى عندما تكون مكون أساسى من مكونات الفيلم
فالكوميديا الموسيقية -كما تؤكد يحيى- هى نوع من الفنون يعتمد على تركيز الحوار أيا كان نوعه، عاطفى أو كوميدى يعتمد على الاستعراض والحوار يكون متوازيا معه مع وجود الأغانى والموسيقى فى الفيلم .. وقد حدث بعض الخلط بين الملهاة الموسيقية والكوميديا الموسيقية ورأى بعض النقاد أنهما يختلفان عن يعضهما البعض وذلك غير صحيح.
 
وتعرف د.رانيا يحيى الفيلم الموسيقى قائلة : “نجد أنواع الموسيقى تتفرع فى الفيلم الموسيقى ففيه دراما وفيه أوبرا وتتعادل الموسيقى مع الرقص والحوار، وغالبا تتعادل ككيان أساسى مع الأعمال الادبية مثل فيلم “مغنى الجاز”  لآلان بروسلين الذى كان أول فيلم موسيقى غنائى، أما الفيلم الكوميدى – والكلام لازال ليحيى – فهو فيلم يعتمد على الفكاهة لتحقيق المتعة للمشاهد، وليس كل فيلم به غناء وموسيقى يطلق عليه فيلم غنائى فهى نوع من الافلام الموسيقية لكنالاخيرة ستظل هى النوع الأشمل الذى يميزه عن بقية الأفلام.
 
وتضيف د.رانيا يحيى “جاءت الكوميديا الموسيقية من المسرح فهو أبو الفنون ومن أهم العناصر المسرحية “الأوبرا ” و”الأوبريت ” فنجد أن تطور الفنون الموسيقية إنتقل من المسرح لشاشة السينما .. والأوبرا، واستمر من القرن ال 17 وتطور وانتشر فى فرنسا وبدأ بأوبرا “بالايدا ” وهى كوميديا شعبية موسيقية.
 
وفن المسرح فى مصر قائم على “الفوتيل” وهو الإعتماد على  الحوار واالديكور والموسيقى وتراجع دور الموسيقى لصالح الدراما ثم مع التطور اتى نوع جديد وهو “الاوبريت” وموسيقى الاوبريت تختلف عن الاوبرا المغناه، فالاوبريت يعتمد على الحوار العادى والموسيقى الشعبية، ثم ظهر بعد ذلك المسرحية الموسيقية وحققت نجاحا كبيرا حتى إنتقلت الى شاشة السينما، ومن أشهر الأمثلة لذلك “قصة الحى الغربى ” و “قبلينى يا كيت”، ورغم أن السينما الصامتة مثل أفلام “شارلى شابلن” لكننا لا نستطيع أن نطلق عليها كوميديا موسيقية لأن الموسيقى فيها مصاحبة للفيلم وليست مكون أساسى من بنائه.
 
وترى د.رانيا يحيى: أن السينما فى مصر بدأت فى أصلا كوميدية .. ففيلم “الخالة أمريكا” الذى قدمه “على الكسار” عام  1920فيلم كوميدي ثم ظهرت الأفلام  الموسيقية مثل “ليلى” وهذا يعود إلى طبيعة المناخ السائد فى مصر آنذاك فكان الترحيب كبير بالكوميديا خاصة فى ظل وجود مجموعة كبيرة من الكوميديانات تواجدوا على الساحة الفنية فى ذلك الوقت لذلك سمى هذا العصر بالعصر الذهبى للكوميديا، وأول من إهتم بالأفلام الموسيقية -والكلام لازال ليحيى- هو المخرج “محمد كريم “الذى أخرج أفلام عبد الوهاب وهى أفلام غنائية تدل على أهمية الموسيقى والغناء فى سينما ذلك الوقت، وأيضا المخرج “نيازى مصطفى” من أهم من تناول الكوميديا الموسيقية فى السينما المصرية آنذاك فقدم فيلم “من أين لك هذا” عام 1954 وفيلم “تاكسى الغرام” وأيضا المخرج “حسين فوزى” قدم العديد من الأفلام الكوميدية الموسيقية مع نعيمة عاكف مثل “العيش والملح” و “لهاليبو”، والمخرج “عباس كامل” الذى قدم أفلام “خد الجميل ولسانك حصانك” ، والمخرج “حلمى رفلة” الذى قدم أفلام “الآنسة ماما _المليونير- وليالى الحب”… والفنان “أنور وجدى” الذى يعد واحد من أهم -إن لم يكن أهمهم على الاطلاق- ممن قدموا الأفلام الاستعراضية والتى توفر فيها عنصر الكوميديا خاصة مع الأفلام التى انتجها للنجمة الصغيرة التى اكتشفها “فيروز” “دهب- ياسمين”.
 
وتضيف يحيى أن هناك بعض المخرجين الذين تناولوا الكوميديا الموسيقية لكن ليس بشكل كبير ويختلف كل مخرج بإختلاف البطل مع الذى يكون مطرب عادة، فيختلف احمد بدرخان مثلا فى افلامه التى اخرجها لام كلثوم عن افلامه التى اخرجها  لفريد الأطرش، وكذلك هنرى بركات الذى قدم ورد الغرام مع ليلى مراد ومحمد فوزى، وعز الدين ذو الفقار فى شارع الحب لعبد الحليم وصباح، على رضا فى فيلميه اجازة نص السنة وغرام فى الكرنك ، حسن الامام فى خللى بالك من زوزو وحسين كمال فى مولد يا دنيا .. وأحمد ياسين فى فيلم مع تحياتى لأستاذى العزيز وهو من آخر الأفلام التى قدمت نوع الكوميديا الموسيقية .. وحاليا لا يوجد أفلام فى السينما المصرية ترقى لتصنيفها الكوميديا الموسيقية، أما المخرجة “عرب لطفى” فقد قدمت نوعا آخر من السينما وهو “الأسلوبية الواقعية” مستهلة حديثها قائلة :”فى رايى أن السينما تميزهاالأساسى عن المسرح وغيره  من الفنون هو أنها تملك القدرة على رصد الواقع من خلال الكاميرا وتستطيع التعبير عن بنية الحياة التى تعبر عنها رغم أن فى بداياتها تأثرت بالمسرح حتى تطورت لغتها وأصبحت اللغة السينمائية هى لغة التعبير فى الدراما وساركز فى حديثى عن تحولات السينما المصرية منذ بدايتها بعيدا عن تأثيرات السينما العالمية-مع عدم تجاهلها- .. فقد لاحظت ان العديد من الأبحاث التى تناولت السينما المصرية وجدت أن تطورها منطلق من تأثرها بالسينما الأوربية وكأنها هى الملهمة.
 
بدأت السينما الواقعية إرهاصاتها فى مصر مع فيلم “العزيمة ” لكمال سليم والذى عمل به صلاح أبو سيف كمساعد له -وهو الذى قاد تيار الواقعية السينمائية المصرية فيما بعد-، ولقد لفت نظرى -والكلام للطفى-  عند مشاهدتى للعزيمة أن الطابع لهذا الفيلم يحمل الكثير من المبالغة ويعتمد على “اللوكيشن” المصنوع فى البلاتوه والتمثيل فيه أقرب للطابع المسرحى .. وجاء بعده فيلم “السوق السوداء” فقد وجدته يحمل نفس المشاكل مع عدم التقليل من الموضوع الذى ناقشه الفيلم وكان شائكا وقتها مما أدى لمنع الفيلم لكن هذا الفيلم أضاف ملمح مهم جدا من ملامح الاسلوبية الواقعية وهو الطابع التسجيلى أحد سمات السينما الواقعية، وبمناسبة النزعة التسجيلية لن نجد أهم من الفيلم الصامت الأول فى السينما المصرية وهو “برسوم يبحث عن وظيفة” لرائد السينما فى مصر المخرج والمنتج “محمد بيومى” وهو واحد من أهم أفلام السينما الواقعية -بل- ورائدها فى مصر فالكوميديا به تنطلق من الواقع واستدعاء شخصيات واقعة وعرض المتنوع المجتمعى من الناحية الطبيقة والدينية فى المجتمع المصرى، وقد قام بتمثيل شخصية برسوم الممثل -الناشئ وقتها- “بشارة واكيم” الذى كان فى بداية مشوراه السينمائى، وبقية الممثلين لم نراهم فيما بعد ورغم قدم الفيلم إلا أنه لا زال يحمل “طزاجة ” العصر الحالى فهو فيلم لكل العصور، ويتميز بيومى عن معاصريه ومن جاءوا بعده ليس فقط بالريادة كأول مخرج بالسينما المصرية، لكنه أيضا أول من خرج بالكاميرا من البلاتوه وتمرد على الطابع المسرحى والمبالغة التمثيلية وخرج من عمق الحداثة المصرية الناشئة واكتشاف طرق تعبير مختلفة .. فقد كان مهووسا بالتعبير من خلال الصورة وقد ضشارك فى إنشاء ستديو مصر، وقدم فيلمين صامتين وبعض الأفلام التسجيلية .. وقد إنطلقت تجارب بيومى من السينما الراصدة للواقع ولم يكن مقيد بالادوات القديمة لسرد الحكاية وتضيف المخرجة عرب لطفى “إذا تجاوزنا مرحلة بيومى سنجد أن معظم المحاولات الجادة لم تخرج عن النمط التقليدى للآداء السينمائى وهناك تجربتين تستحقان التآمل هما فيلميى “سلامة فى خير ولعبة الست” الذى كتب قصتهما “بديع خيرى” وشاركه كتابة السيناريو والحوار” بطلهما “نجيب الريحانى”، فهذين الفيلمين تميزا ببنية السيناريو الذى كان له دور فى حث المخرج لتقديم تفاصيل داخل البناء السينمائى كالرصد والتركيز على مناطق اعطت صورة خاصة للواقعية المصرية أظهرت الحياة فى القاهرة بتنوعها وأخرجنا من البيئة المغلقة “المسرح” ليدخلنا لعالم الرصد السينمائى فى تفاصيل يفرضها الواقع.
 
وتضيف لطفى أن الواقعية فى السينما المصرية بدأت تتقدم خطوات خجولة إلى أن جاءت تجربة “صلاح أبو سيف” بعدما عاد من إيطاليا متأثرا بالواقعية الايطالية الجديدة، وأيضا متأثرا بخلفيته الشعبية التى جعلته يرصد الواقع بشكل أشمل وأدق خاصة بعدما التقى مع “نجيب محفوظ” ذو النشأة الشعبية أيضا وساهما معا فى خلق أسلوب واقعية جديدفى السينما المصرية.. ورغم تأثره بالواقعية الايطالية إلا أنه ظل محافظا فى اسلوب عمله السينمائى فقد تمسك بالعمل داخل البلاتوه و الإعتماد علىى النجوم الحبكة والدراما ونمط الشخصيات هم سر واقعية ابو سيف -كما ترى لطفى- فهو دائما كان يبحث عن النص الذى يعطيه القدرة للتحدث عن تفاصيل الشخصية المصرية كما فى افلام “بداية ونهاية -القاهرة 30 ” وكانت تلك الافلام ثورة فى ذلك الوقت وأيضا فيلم مثل “بين السما والأرض ” تميز بالجراة فى المعالجة وكان شكلا غريبا انذاك ولم يحقق نجاح عند عرضه ثم حقق النجاح بعد ذلك وحتى الآن  “يوسف شاهين – بركات – توفيق صالح” من أهم مخرجى الاسلوبية الواقعية فى السينما المصرية – كما تؤكد المخرجة عرب لطفى- قائلة :” شاهين ارتبط بالسينما الهوليوودية إلا أنه قدمأول اعماله بانحياز قوى للأسلوب الواقعى عبر عمل يتميز بالجرأة فى الكتابة والاخراج والتمثيل وهو “بابا أمين “ليسجل غعترافه بانتمائه بكل جوارحه للوطن والإنسان، فهو شكل أسلوبه الخاص كأى فنان يؤثر ويتأثر..وفى فيلم “باب الحديد ” رصد عالم الشخصيات بكل تفاصيلها التسجيلية ولن ننسى مشهد تنفيذ حكم الاعدام فى “عبد الوارث عسر ” فى فيلم “صراع فى الوادى ” وهو من أكثر المشاهد صدمة فى  السينما المصرية الذى بث شحنة توتر للمشاهد بكل التفاصيل من الاضاءة وكادر التصوير والموسيقى .. وفى فيلم “الأرض” إستطاع تتبع تفاصيل القرية المصرية بكل تفاصيلها وهذا أيضا ما فعله “حسين كمال “فى فيلم “البوسطجى” وفعله “بركات “فى فيلم ” الحرام” .. أما فى فيلم “القاهرة منورة بأهلها  صنع فيلما طبيعيا ضمن البيئة التسجيلية رغم أن به بناء درامى وهى تجربة جريئة لها خصوصيتها.
 
وتضيف لطفى “توفيق صالح” إنحاز للواقعية منذ اللحظة الأولى ومحاولته الأولى تراوحت بين تبنى الكلاسيكية فى السينما من حيث استخدام البلاتوه، فى فيلم “المخدوعون” حرر نفسه من كل قيوده واستطاع أن يصل للمعادلة السينمائية بالفيلم الواقعى من حيث استخدام أماكن تصوير طبيعية واستخدامه لنجوم غير معروفين وقتها -تألقوا فيما بعد- ، وعبر مغامراته الطويلة وصل لمعادلة تضعه فى مصاف رائدى السينما الوااقعية فى العالم العربى ،المخدوعون كان مؤسس لتلك السينما.
 
“بركات ” قدم العديد من الأعمال التى تميزت بشاعرية الأسلوب وأفلامه تحمل كثير من الانماط السينمائية المختلفة لكنه لم يهتم بالواقعية السينمائية الا بعد سنوات طويلة من عمله بالسينما، فعندما بدأ يلتفت لذلك قدم تجارب غاية فى التميز مثل “فى بيتنا رجل ” ومشهد الافتتاح لكوبرى عباس ومظاهرات الطلبة فوقه وبنى مشهد سينمائى يعتمد الاسلوبية الواقعية بشكل كامل وقدم واحد من أقوى مشاهد السينما المصرية.. قدم أيضا “الباب المفتوح” و”الحرام “واستخدم الواقعية من خلال السرد السينمائى، وتنهى المخرجة “عرب لطفى” كلامها مؤكدة بأن كل هؤلاء أسسوا للغة الواقعية فى السينما ثم جاءت السبعينات فى محاولة لاستدعاء ما فات وبدأت تعلن إنحيازها للسينما  التسجيلية بدايه بفيلم “أغنية على الممر” وكان طليعة سينما جديدة اعلنت عن نفسها تحت اسم “جماعة السينما الجديدة ” وفيلم “العوامة 70″ الذى استخدم تكنينك السينما التسجيلية وافلام ” سواق الاتوبيس – احلام هند وكاميليا” ..وقد إمتدت التجربة لتشمل جيل آخرمثل “يسرى نصرا لله ” فى سرقات صيفية ومجدى احمد على فى “يا دنيا يا غرامى ” واسامة فوزى فى “عفاريت الاسفلت ” ومن التجارب المتميزة أيضا على مستوى لتجريب فى الاسلوبية الواقعية نجد تجارب “احمد عبدالله- هالة لطفى و ابراهيم البطوط”.
 
المخرج “سمير سيف” ختم حلقة البحث بالحديث عن نوع اخر من السينما وهى “فيلم الحركة ” ..قائلا “الجونر هو تعبير أمريكى المقصود به الترويج والتسويق للفيلم ثم يأتى النقد لاحقا على ليحول الناقد المفهوم التجارى إلى مفاهيم نقدية .. فالجونر هو التعاقد بين المشاهد وصانع الفيلم ويستطيع كل مخرج من خلاله أن يعبر عن تفرده الخاص وسماته الاسلوبية من خلال المواصفات القياسية لكل نوع، والحركة تعبير يشمل عدة انواع يشمل انواع المغامرة وفيلم نوار وافلام العصابات والافلام التاريخية ويوضح سيف المقصود بأفلام الحركة أن لكل نوع طريقة فى التعبير عن مكونات الفيلم البنائية وفيلم الحركة هو فيلم محكم الصنع وليس من الافلام ذات النهاية المفتوحة وكل تفصيلة فيه لها دوربدونها ينهار البناء الدرامى وفيلم الحركة بدأ مع السينما المصرية بفيلم “قبلة فى الصحراء” وهو رؤية مصرية لفيلم ويسترن امريكى ولا تتطور الانواع بصفة عامة الا بالتمازج والتهجين وهناك انواع اخرى من السينما تلتمس الحل الحركى فمثلا فيلم “العزيمة” اسلوبية واقعية ..  يلجأ للحركة بمشاجرة فى نهاية الفيلم .. وفى افلام انور وجدى الاستعراضية كان يلجأ للحركة فى مشاهد عراك بين العصابة والبطلوهو مزج بين الفيلم الحركى والفيلم الاستعراضى.
 
ويرى سيف أن الهنود استلهموا من السينما المصرية القديمة هذا المزج السائد فى سينماتهم الان الاستعراضية والحركة والعاطفية .. ويؤكد على أنه لا ضرر أن يكون فيلم الحركة مقتبس من سينما أخرى فى العالم لكنه يشدد على وجوب “صنعه جيدا” فكل أفلام الحركة المصرية مأخوذة من أفلام أمريكية وعالمية لكن لانها نفذت بجودة عالية تماهى المشاهد معها ونسى الاصل المأخوذة منه ومن أشهر مخرجى الحركة فى السينما المصرية “نيازى مصطفى” ونتذكر له فيلم “حميدو” وهو تمصير للرواية الامريكية “المآساة الأمريكية “التى انتجت كفيلم فى خمسينات القرن العشرين كفيلم “مكان فى الشمس” وتم تقديمه فى السينما المصرية مرة أخرى فى فيلم “نهاية حب” لشكرى سرحان وماجدة وصباح .. وعندما مصرها “السيد بدير” فى حميدو جعل منها دراما سكندرية بحتة يقوم بها ” فريد شوقى ” ومن يرى هذ الفيلم لا يصدق انه مقتبس من فيلم امريكى !.
 
وفيلم “سواق نص الليل” مقتبس من فيلم “سارق البسكيلتة ” لفيتوريو دى سيكا .. فالاقتباس فى فيلم الحركة مشروع فنيا طالما نجح فى خلق بيئة محلية فكيروساوا من اكثر من تأثروا بجون فورد ورغم ذلك يقدم أفلام عن الساموراى غارقة فى تفاصيل الثقافة اليابانية لكن مع تأثره بأفلام جون فورد الويسترون الامريكية، ويؤكد المخرج سمير سيف أن أفلام الحركة فى السينما لمصرية بلغت أوج مجدها عندما قدمها مخرجين كبار مثل فيلم الفتوة لابو سيف وصراع فى الوادى لشاهين، وحتى ملك الرومانسية عز الدين ذو الفقار قدم الحركة فى فيلم “قطار الليل” وعاطف سالم صاحب الافلام الاجتماعية قدم الحركة فى “جعلونى مجرما  وشاطئ الاسرار”وكانت من أقوى أفلام الحركة فى السينما لمصرية.
 
ويرى سيف أن فيلم الحركة يرتبط دائما بالتقدم التكنولوجى ونجاحه مرتبط بسخاء الانتاج وتوفر الميزانيات الضخمة ، ومهما بلغ الاتقان الحركى لن ينجح الفيلم مالم يتضمن البعد الانسانى وهو الذى يضمن لفيلم الحركة البقاء على مر العصور.. وان لم يكن فيلم الحركة مغموسا فى الواقع المصرى سيصبح فيلما بلا معنى أو قيمة.