«عداوات».. صراع الانتقام وروح التسامح

78 مشاهدة

ـ إبراهيم الملا

لا يمكن نعت فيلم «عداوات» Hostiles الذي دشّن عروض الدورة 14 من مهرجان دبي السينمائي، بأنه عمل ينتمي حصراً لأفلام الطريق، ولا يمكن وصفه أيضاً بالعمل المؤسس على واقع تاريخي بعينه، فهو رغم ارتباطه بزمن الغرب الأميركي المتوحش في نهايات القرن التاسع عشر، وبالتحديد في العام 1892، إلاّ أنه يضجّ بالإسقاطات والإدانات الموجهة لصعود الموجة العنصرية والنظرة الاستعلائية في أميركا اليوم، خصوصاً مع تنامي التوجه القومي والفاشي المؤجج لصراعات وأحقاد كانت قابعة تحت السطح لعقود طويلة، والتي بدأت شراراتها اللاسعة تتقافز قبل أشهر في بؤر توتر خطيرة داخل المجتمع الأميركي.

هذه اللفتة المؤلمة أكدها مخرج الفيلم (سكوت كوبر) في رسالة مصوّرة لجمهور مهرجان دبي قبل افتتاح العرض بدقائق، عندما قال: «إذا كانت بريطانيا مرتبطة تاريخيا بشكسبير، وفرنسا مرتبطة بموليير، فإن الولايات المتحدة ارتبطت ومازالت بهمجية وعداوات الغرب الأميركي»، في إشارة موجعة منه إلى الأرشيف الدامي، المخضّب بأبشع صور الكراهية والانتقام المتبادل، وبأقسى مشاهد الإبادة الجماعية لسكان أميركا الأصليين، فأبناء الأرض القديمة هؤلاء، حوّلهم جشع الرجل الأبيض إلى ما يماثل الصرخات الهائمة في براري الذعر، وما يشابه الأرواح المحترقة في ميراث الرماد.

خبرات مرّة

ينسج الفيلم مشاهده التأسيسية على أرضية مسكونة بخبرات واستعادات مرّة ومفجعة، انطلاقا من الشخصية المحورية «جوزيف بلوكر» يقوم بدوره الممثل كريستيان بيل الذي تتشكل معه الخيوط الدرامية المتصاعدة والمتشابكة في الفيلم، استناداً لذاكرته الموغلة في التعاطي العنيف مع الهنود الحمر، وهو الكابتن الأبيض صاحب التجربة الطويلة في المواجهات الدموية مع الخارجين على القانون، هذا القانون المصاغ بمعيار القوة وهيمنة المستعمر، لا بمعيار العدالة بمواصفاتها المحايدة والنزيهة.

في المشهد التمهيدي الذي بدا أشبه بالفخ أو ببالونة الاختبار للمتفرج، نرى مجموعة من هنود الكومانشي الشرسين، وهم يهاجمون عائلة أميركية بيضاء مقيمة في ريف أريزونا النائي والمنعزل، يسفر هذا الهجوم عن مقتل الأب وثلاثة من بناته، بينما تنجو الأم روزالي كويد تقوم بدورها الممثلة روزمند بايك بعد اختبائها في الغابة القريبة. مشهد بقدر ما يشتمل عليه من عنف، ومن مقدمة صارخة، بقدر ما يؤسس لانطباع خادع حول الدور المتبادل بين الضحية والجلّاد، انطباع سوف تتوضح ملامحه لاحقاً، عندما يكلّف الكابتن بلوكر باقتياد سجين مسن من هنود «الشايان» برفقة عائلته إلى أرض أجداده في «مونتانا» كي يمضي ما تبقى من حياته هناك، بعد حصوله على عفو رئاسي في نهايات زمن الفوضى والمعارك الانتقامية بين السكان الأصليين وبين المستعمر الأوروبي.

يقودنا مخرج الفيلم في هذا السفر الطويل والمنهك من أريزونا إلى مونتانا داخل رحلة تطهّرية تتصفّى تدريجيا من الآثام والآلام والجراحات العميقة والغائرة بين المتقاتلين على الأرض والثروة، خالقاً وسط هذا الاحتدام النفسي حالة من التقارب الإنساني المتخلّص من عنصرية العرق واللون والدين.

يبدأ الذوبان البطيء لجبل الأحقاد وتراكمات الكراهية بين هؤلاء المسافرين، عندما يعثر بلوكر مع كتيبة الحراسة المرافقة له، على المرأة المفجوعة بفقدان عائلتها، والمصابة بحالة من الصدمة والهذيان، هذا الاستقطاب الحميمي، وهذا التعاطف الجيّاش مع المرأة من قبل الجنود ومن قبل العائلة الهندية سيخفف كثيرا من وطأة التفاسير الاجتماعية والنفسية المغلوطة بين الجميع، ومن خلال انعطافات ذكية في مسار القصة يبدأ الكابتن بلوكر في خلق الانسجام المطلوب بين الأضداد المتنافرة، وتساعده المرأة المسكونة بأحزانها في صياغة نوع من الألفة المتوارية في الأعماق، ألفة سوف تتشكل على وقع تحديات مشتركة ومواجهات دفاعية عديدة ضد العصابات وقطاع الطرق والفارين من العدالة، سواء كانوا من البيض المتمردين أو من هنود الكومانشي الخارجين عن سياق الهدنة السائدة في أميركا.

توظيف بانورامي

يستثمر المخرج هنا قدرات مدير التصوير الياباني المبدع «ماسانوبو تكاناياجي» في توظيف المشاهد البانورامية الواسعة في براري وسهوب وغابات الغرب الأميركي، وسط بيئة ضارية وساحرة في آن واحد، تجمع بين العنف والشاعرية، وبين الهيجان والتأمل، وبين تقلبات الطبيعة وتحولات الإنسان، هذه التحولات التي بدت أكثر وضوحاً وبروزاً في شخصية الكابتن بلوكر، والذي استطاع الممثل كريستيان بيل، تجسيدها بقوة، في واحدة من أكثر أدواره تألقاً وإبهاراً، حيث استطاع بيل خلال ساعتين من زمن الفيلم أن ينازع رغبات وأشباح الانتقام الجاثمة في لاوعيه، وأن ينتبه لإشراقات جديدة تتعلّق بالمفهوم الإنساني الرحب والمكتمل بالتسامح والرحمة ونبذ العنصرية واكتشاف الجوهر الروحاني المشترك بين كل المحيطين به من السود والهنود الحمر.

استطاع بلوكر التخلص من إرث الحروب وانعكاساتها النفسية المدمرة، عندما اكتشف أن كل تلك المواجهات التراجيدية لم تنتج سوى العبث المكرر والمأساة الدائرة في حلقة مفرغة من الجنون البشري الصرف، ورغم الخسارات الكثيرة التي عصفت برفقاء بلوكر في هذه الرحلة الهائلة بأبعدها الحسية والذهنية، إلا أن المشاهد الأخيرة في الفيلم المتضمنة دفن الزعيم الهندي في تراب موطنه الأول، أكدت أن خلاص الإنسانية على هذا الكوكب الموبوء بالصراعات والطمع وهوس الهيمنة، إنما يتمثّل في الإصغاء لصوت المحبة الكامنة فينا جميعاً، واستبدال الأنانية الفردية المعتمة، بمساحات أكثر تنوعاً وتعايشاً وتقبلاً للألوان والأطياف والأفكار كافة.