فتاة تمضي إلى البيت وحيدة في الليل.. صورة جديدة للسينما الإيرانية

2039 مشاهدة
مصاصو دماء ومدينة مجهولة وعوالم سوداوية
 
فتاة تمضي إلى البيت وحيدة في الليل.. صورة جديدة للسينما الإيرانية
 
سينماتوغراف ـ أبو ظبي: أحمد شوقي
 
بعيدا عن كل الأشكال والنوعيات المعتادة في السينما الإيرانية جاء فيلم “فتاة تمضي إلى البيت وحيدة في الليل”، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة آن ليلي أميربور، والذي عرض في برنامج عروض السينما العالمية بمهرجان أبو ظبي السينمائي الثامن.
 
حكاية الفيلم لا تقل غرابة عن عنوانه الطويل: علاقة حب تنشأ في مدينة إيرانية خيالية تدعى “المديئة السيئة”، بين مصاصة دماء شابة تتحرك في المدينة فوق لوح تزلج مرتدية الشادور، وبين شاب يعاني من والده المدمن الذي يحيل حياته جحيما. في مزيج غريب وصفته المواد الدعائية للفيلم الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان صن دانس المهتم دوما بالأفلام المغايرة، بأنه أول فيلم ويسترن إيراني عن مصاصي الدماء.
 
المخرجة خلقت عالميا بصريا وصوتيا فريدة، فالصورة بالأبيض والأسود، والمدينة صناعية سوداوية قاتمة، تبدو أشبه بمدينة أوروبية منها للشرق، وتمتلك جواً عاماً آتياً من عوالم الكوميكس، الوصف الأمثل له أنه مزيج بين سوداوية جوثام سيتي مدينة الرجل الوطواط والأرواح المعذبة في مدينة الخطايا التي رسمها فنان الكوميكس الأشهر فرانك ميللر. والمشاهد جريئة يستحيل أن تكون قد صُوّرت في إيران، بما فيها من عُري ومشاهد عنف ومخدرات.
 
أما شريط الصوت، فهو أيضا مزيج مثير للدهشة، بين أغاني الروك الفارسية المعاصرة والموسيقى الغربية، مع بعض التأثيرات الشرقية سواء في الموسيقى أو المؤثرات الصوتية. شريط صوت مشغول عليه بعناية فائقة يصعب أن تشاهد الفيلم دون أن تشعر باختلافه، ربما ككل عناصر الفيلم.
خلفيات توضح الكثير
 
معظم الاختيارات غير المعتادة في الفيلم يمكن معرفة خلفياتها بالرجوع إلى السيرة الذاتية للمخرجة التي نكتشفها للمرة الأولى، فهي تعيش في لوس أنجلوس من عدة أعوام، وقد صنعت أول أفلامها القصيرة عندما كان عمرها 12 عاما، وكان فيلم رعب عن حفلة يجمع ضيوف مخيفين، كما كانت لاعبة جيتار ومغنية في فريق روك غنائي إيراني قبل هجرتها للولايات المتحدة، وتقوم بتأليف ورسم روايات الكوميكس، ومن ضمنها سلسلة تحمل نفس عنوان الفيلم كانت المرجعية الأولى لحكايته.
 
 
 
السيرة توضح إذن كيف اختمرت كل هذه العناصر المتنافرة داخل المخرجة حتى تصنع فيلمها الغريب، بين نشأة إيرانية محافظة مختلطة بثقافة غربية واهتمام واضح بأفلام الرعب وموسيقى الروك وروايات الكوميكس، ليسفر الأمر عن الفيلم الذي يعد فعلا تجربة تستحق المشاهدة.
شخصيات وجو عام
 
بعيدا عن عوامل الجذب الآتية من الغرابة، يمكن اعتبار “فتاة تمضي إلى البيت وحيدة في الليل” فيلما تحركه الشخصيات أكثر من الأحداث، فالمخرجة أجادت الرسم البطيء والدؤوب للشخصيات نفسيا، معتمدة على الجو العام المثير الذي رسمته في عدم الشعور بالملل، فإذا كانت بعض المشاهدة لا يحدث فيها شيء بمعايير الدراما الحدثية، فإن ما يصاحبها من صور وصوت يجعل المشاهد لا ينتبه لغياب عنصر الحدث، لتتراكم المشاهد من هذه النوعية تباعا، كأن كل منها صورة من صور كتاب للكوميكس، لترسم في النهاية شخصيات الفيلم ودلالاتها بإحكام.
 
وعندما أقول دلالاتها هنا لا أقصد أيضا الشكل الكلاسيكي للرموز والإحالات، ولكن الفكرة العامة لوحشية العالم، لا سيما العالم الذي يمكن أن تعيش فيه شابة إيرانية وحيدة، بما فيه من نفوس خربة ومخلوقات مشوهة، يبدو معها أن الشر الإنساني لا يحتاج أن تكون وحشا أو مصاص دماء ليخرج منك، بل أن في مواجهة عالم بهذه القسوة، يكاد يكون القانون غائبا عنه، تبدو مصاصة الدماء الجميلة هي الأكثر براءة ورومانسية وجمالا، وهو الجانب الذي اعتنت المخرجة به بوضوح، فلا يمكن ألا تلاحظ الجمال الملائكي الذي ظهرت به مصاصة الدماء التي تحمل اسما عاما “الفتاة”، والتي جسدتها الممثلة شايلا فاند (شاهدناها من قبل في فيلم أرجو).
بصورة عامة هذا فيلم يختلف تماما عن أي تصور مسبق، ليس فقط عن السينما الإيرانية، بل حتى عن أفلام النوعيات التي يفترض أن ينتمي لها، فهو ليس فيلم إيراني ولا فيلم ويسترن ولا فيلم مصاصي دماء، بل هو مثل صانعته: مزيج ذو مذاق خاص من كل هذه التناقضات.