«ملكة الصحراء» خيبة أمل في فيرنر هيرزوغ

510 مشاهدة

خاص  ـ «سينماتوغراف»

لقد طال انتظار فيلم يجسد شخصية غروترود بيل، الرحالة والمستكشفة البريطانية والدبلوماسية لاحقا وإحدى أبرز الشخصيات البريطانية التي شكلت تاريخ الشرق الأوسط الحديث ورسمت حدوده المعاصرة وصنعت ملوك بعض بلدانه، منذ أن قدم المخرج ديفيد لين تحفته السينمائية عن زميلها وصنوها في التأثير تي إي لورانس «لورانس العرب» العام 1962.

وحين أعلن المخرج الألماني فيرنر هيرزوغ عن تصديه لمثل هذه المهمة بفيلم ضخم رصدت له ميزانية جيدة، ارتفع سقف التوقعات بالحصول على تحفة سينمائية تضاف إلى سجل هذا المخرج الحافل وما عرف عنه من خوض غمار المصاعب لتصوير رحلات في أجواء غرائبية أو بيئات صعبة، وأبطال ذوي أحلام مستحيلة، تتجسد في الغالب في حكايات عن صراع الإنسان مع الطبيعة في أفلامه الروائية والوثائقية العديدة.

1

بيد أن العرض العالمي الأول لفيلم «ملكة الصحراء ـ Queen of the Desert» في مهرجان برلين السينمائي الدولي (البرلينالة)، شكل خيبة أمل كبيرة بالمقارنة مع حجم التوقعات الذي رسم له، فجاءت النتيجة على الشاشة في النهاية فيلما هوليووديا تقليديا يتناول قصة حب رومانسية ورحلات في الصحراء العربية، ويصعب أن نصدق أنه فيلم يحمل توقيع هيرزوغ نفسه مقارنة بأفلامه ومغامراته السابقة.

لم يستطع المخرج أن يقارب الغنى والتعقيد الكبيرين اللذين ميزا شخصية مثل مس بيل، الرحالة والمستكشفة والآثارية والمستشرقة المهتمة بدراسة اللغات والتاريخ القديم والمختصة بشؤون العشائر العربية، فضلا عن ضابطة الاستخبارات لاحقا والسكرتيرة الشرقية والمستشارة للمعتمد السامي البريطاني في العراق، والتي كان العراقيون يلقبونها بـ«الخاتون» لحجم تأثيرها في سياسة بلدهم، ويلقبها البعض بصانعة الملوك.

ويضاف الى ذلك غنى الحقبة التاريخية التي عاشت فيها وأسهمت في صنع خياراتها في عالم قديم يتقوض ونشوء عالم جديد وتوزيع جديد للنفوذ في العالم بين القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

4

ورغم أن المخرج اختار أن يفتتح فيلمه باجتماع شهير حضره ونستون تشرشل، وزير المستعمرات آنذاك (أدى دوره الممثل كريستوفر فلفورد) لتقاسم النفوذ في مناطق الامبراطورية العثمانية (الرجل المريض) بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنه لم ينشغل بتعقيدات السياسة وجعل هذه الأحداث مجرد خلفية لمغامرة بطلته في الصحراء أو قصص حبها الفاشلة.

فبدت الشخصيات السياسة مفرغة من تأثيرها الأساسي بل وأقرب إلى الشخصيات الكاريكاتيرية، كما هي الحال مع شخصية لورانس التي جسدها روبرت باتنسون، وقد أثار ضحكات جمهور المشاهدين عند ظهوره بزيه العربي، لاسيما وأن الكثيرين يتذكرون الأداء المميز للممثل القدير بيتر أوتول لهذه الشخصية في «لورانس العرب». وكذلك الحال مع تشرشل وهو يقف لالتقاط صورة له أو يحاول امتطاء جمل أمام الأهرام.

وقال هيرزوغ في المؤتمر الصحفي الذي أعقب عرض الفيلم «ينبغي أن ينظر إلى الفيلم كقصة وليس درسا في التاريخ يناقش الحدود في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى».

من هنا جاء خياره لإغفال السنوات العشر الأخيرة في حياة بيل وتحديدا عملها في العراق، ودورها في صناعة سياسة هذا البلد وحدوده واختيار ملكه بل وما حكم مساره المستقبلي.

3

وعلى العكس مما قاله هيرزوغ في مؤتمره الصحفي إنه أهمل «التعقيدات السياسية» لمصلحة تجسيد غنى «حياتها الداخلية»، نرى أنه في واقع الحال أنه لم يسبر أغوار عالم هذه الشخصية المعقدة الغني، وانتهى إلى تقديم صورة مبتسرة ومسطحة لعاشقة رومانتيكية تداري خيبتها العاطفية برحلات الى الصحراء تبتعد فيها عن ذكرياتها المؤلمة.

مع أن غرترود بيل تركت تراثا غنيا من الرسائل وثق أدق تفاصيل حياتها اليومية وانطباعاتها عن الناس والواقع السياسي المحيط بها؛ إذ درجت على كتابة يومياتها وتوثيقها في رسائلها إلى عائلتها على مدى عقود طويلة، فضلا عن عدد من الكتب والتقارير التي وثقت بعض رحلاتها ومشاركاتها في التنقيبات الأثرية أمثال كتابها عن سورية الصادر العام 1907 الذي وثقت فيه رحلتها الأولى في فلسطين والشام مرورا بمناطق الدروز وكتابها المشترك مع الآثاري وليم رامزي «الف كنيسة وكنيسة»، فضلا عن رحلتها من حلب مع مجرى نهر الفرات إلى قصر الإخيضر في العراق التي وثقتها في كتابها الصادر العام 1909 ثم عودتها العام 1911 إلى قصر الاخيضر وإصدارها كتابا ضخما عنه صدر العام 1914.

5

لقد أهمل السيناريو الذي كتبه هيرزوغ نفسه هذا الغنى التوثيقي الكبير في حياة بيل، واستند على ما يبدو على جزء من السيرة التي كتبتها مطلع الستينيات اليزابيث بورغوين في جزأين بالاستناد إلى رسائلها التي أعادت نشر بعضها كاملة بعد أن كانت تعرضت لرقابة وحذف الكثير من التفاصيل في طبعتها الأولى العام 1927.

بدت بيل في فيلم هيرزوغ فتاة أرستقراطية إنجليزية ورومانتيكية تعشق المغامرة والسفر وذكية تخرجت من اكسفورد بمرتبة شرف تقنع والدها بإرسالها في رحلة إلى طهران؛ حيث يقيم قريب العائلة الدبلوماسي السير فرانك لاسلز وزوجته، وهناك تقع في حب دبلوماسي شاب يدعى هنري كادوغان (الممثل جيمس فرانكو) يعلمها الفارسية ويشتركان في حب الشعر (لبيل ترجمة معروفة لديوان الشاعر الفارسي حافظ صدرت العام 1897) ويقرران إعلان خطوبتهما لكنهما يواجهان معارضة والديها اللذين ينصحانها بالتريث لسمعة كادوغان كمقامر مثقل بالديون، وأثناء عودتها إلى بريطانيا لإقناع والديها يتوفى كادوغان بمرض غامض. فتظل مخلصة لحبها هذا وتلقب نفسها بالأرملة وتحاول العودة إلى الشرق وخوض رحلات في الصحراء بعد تلك التجربة.

وفي قونية تتعرف مس بيل على كابتن في الجيش البريطاني يدعى تشارلز دوتي- وايلي (الممثل داميان لويس)، وتخوض تحربة حب جديدة معه، لكنه كان متزوجا وعندما يفاتحها بتطليق زوجته والزواج منها ترفض أن تكون سعادتها على حساب تعاسة امرأة أخرى وتدمير عائلتها وتهرب من هذا الحب في رحلة جديدة تقرر فيها استكشاف صحراء الجزيرة العربية.

وهي رحلة محفوفة بالمخاطر بسبب الصراع بين القبائل المتنافسة؛ حيث تنتهي باحتجازها لدى قبائل شمر حائل حتى عودة أميرها الذي كان غائبا في رحلة، وسط جو من التوتر والقتال بين أتباعه وأتباع أمير نجد عبد العزيز آل سعود، وهنا يشير الفيلم الى إدراك مس بيل لنفوذ ابن سعود المتزايد في الجزيرة العربية واضمحلال نفوذ منافسيه.

7

وتتواصل جذوة حبها الجديد بالتأجج والخفوت عبر رسائل أو لقاءات متفرقة في الشرق الأوسط أو لندن، قبل أن تنتهي هذه القصة نهاية مأساوية بمقتل الكابتن دوتي- وايلي في الحرب العالمية الأولى بعد التحاقه بجبهة الدردنيل.

ويحلو للبعض من النقاد وصف فيلم «ملكة الصحراء» بأنه النسخة النسوية من «لورانس العرب»، وهذه هي المرة الأولى التي يتعامل فيها المخرج هيرزوغ مع بطلة امرأة في أفلامه التي تقارب مغامرات وأحلام مستحيلة بطلها رجال دائما (في الغالب الممثل كلاوس كينسكي).

6

فيلم «مميرو» يشارك في مهرجان «المشمش الذهبي» بأرمينيا

طهران ـ «سينماتوغراف» أعلن المخرج الايراني هادي محقق عن مشاركة فيلمه السينمائي “مميرو” في مهرجان “المشمش الذهبي” الدولي بأرمينيا. وقال انه سيسافر الى أرمينيا في الـ14 من يوليو/تموز المقبل ليشارك بالدورة الـ13 للمهرجان. وكان

مزيد   1191