«مولانا».. إبراهيم عيسى مرتديا «الجبة والقفطان»

404 مشاهدة
900x450_uploads20161227ec405cd501

%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%af%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%b1-7-247x300ـ انتصار دردير

مع مشهد النهاية لفيلم «مولانا» يقف الشيخ حاتم الشناوى الداعية والنجم التليفزيونى يتحدث بأسى عقب حادث تفجير الكنيسة الذى أودى بحياة المصلين، وبعد أن كفر بالاعلام المتواطئ، وهو يصرخ بانفعال قائلا: «الشرايين اتسدت والدم اتجلط ومبقيناش عارفين مين قلبه موجوع بجد ومين جاى يعرينا، لو عرفنا، ساعتها هنبطل نزعق ومش هنحتاج ده عشان نسمع بعض».. ويلقى بالميكرفونات التى اصطفت أمامه.

الفيلم يبدو للوهلة الأولى أنه يرصد صراع الكواليس فى صناعة البرامج والتى لم يسلم منها حتى البرامج الدينية، وكيفية صناعة الدعاة الجدد الذين يدخلون دائرة النجومية، ويصبح عليهم التحدث وفق متطلبات المرحلة، وكما يقول بطل الفيلم «الشيخ فى الجامع بيرضى ربنا بس، وفى التليفزيون لازم يرضى الزبون، المشاهد ومنتجى البرنامج والقناة التى تعرضه والدولة أيضا»،  لذا لايبدو غريبا أن يجلس الشيخ بين يدى الماكيير ليضع لمساته على وجهه قبل أن يواجه جمهور المشاهدين كما لو كان نجما سينمائيا أمام الكاميرات، ولا يتوانى عن أن يحلل ذلك كما يترائى له متعللا «الرسول كان يكتحل ويتطيب، والله جميل يحب الجمال»..

1

 اذا كانت هذه هى قضية الفيلم التى فرضت نفسها فى عصر الفضائيات والسموات المفتوحة والدعاة التليفزيونيين، وبرامج التوك شو التى صارت الموجه الأول، وربما أيضا المحرض الأول فى زمن الثورات، والاضطرابات والانقسامات، فإن الفيلم ينفذ منها الى قضايا أخرى مسكوت عنها، ظلت السينما بعيدة عنها، عن الدين والدولة، الإسلام والمسيحية، وعن الإختلافات المذهبية وكيف تفرق أبناء الدين الواحد، وعن المعتزلة والصوفية والفرق بينهما، وعن التطرف وعصر مبارك متمثلا فى ابنه جمال، لذا لايمكن تجاهل جرأة الفيلم وجرأة الرقابة التى وافقت عليه أيضا.

«مولانا» المأخوذ عن رواية لإبراهيم عيسى وصلت الى التصفيات الأخيرة لجائزة البوكر العربية، وقد تمسك عيسى بأن يكتب بنفسه حوار الفيلم خوفا من أن يفقدها كاتب آخر رؤية مؤلفها، وضمانا لتوصيل الفكرة كما أرادها، لذا تتلاشى المساحة بين مايكتبه ويردده فى برامجه وبين حوار الفيلم، فتشعر أن الشيخ حاتم هو ابراهيم عيسى مرتديا «الجبة والقفطان» وهو- أى ابراهيم – يقدم بطله كشيخ معتدل يكسب تعاطف المشاهد من اللحظة الأولى فهو أب متعلق بجنون بطفله الوحيد الذى رزق به بعد سبع سنوات انتظار«يجمع المخرج مجدى أحمد على الأب والابن فى مشاهد شديدة الحميمية، لكنها تختفى مع النصف الثانى من الفيلم ولانعرف عن أخباره شيئا الا من خلال حوارات الأب والأم رغم أهمية حضورها الإنسانى على الشاشة»، وهو رجل محب ومخلص لزوجته «درة» توشك حياته على الانهيار بعد أن يتعرض ابنه للغرق فى حمام السباحة بينما هو وزوجته مشغولان بتلبية رغبات المعجبين لالتقاط الصور معه، ويصبح الطفل معلقا بين الحياة والموت طوال أحداث الفيلم، وساهم فى كسب هذا التعاطف أداء عمرو سعد الرصين وفهمه لمتطلبات الشخصية واهتمامه بأدق التفاصيل الصغيرة التى تجعل المشاهد يصدقه ويتعاطف معه، فرغم أن الشهرة والثروة قد باغتته على غير توقع وصار نجما وعرف حياة الترف وفهم أصول اللعبة بعد أن اقترب بحكم شهرته من دوائر الحكم الا أنه يظل محتفظا بقدر كبير من البراءة.

3

يقع على عمرو سعد عاتق الفيلم بشكل أساسى وقد نجح فى تأكيد موهبته مثلما نجح المخرج فى الاستعانة بعدد من الممثلين كضيوف شرف أضافوا بأدائهم للفيلم مثل فتحى عبد الوهاب، صبرى فواز، ايمان العاصى، بالإضافة الى الحضور القوى للفنان الراحل أحمد راتب بمشاهد معدودة  برع فيها فى تجسيد شخصية الشيخ فتحى صاحب فتوى إرضاع الكبير، ثم الممثل الشاب أحمد مجدى الذى قدم شخصية المتطرف المتخفى بطريقة غير نمطية، بالإضافة الى الممثلين الكبيرين لطفى لبيب وبيومى فؤاد أو الوجه الجديد كبير عائلة العدل رمزى الذى قدم شخصية الشيخ المتصوف..

يأخذنا الفيلم فى ايقاع متوازن، لنتابع رحلة صعود مولانا والمستجدات التى دخلت حياته فبخلاف الثراء الذى يحيله للإقامة فى فيلا وامتلاك زوجته لبوتيك لملابس المحجبات، فإن الشهرة تقربه من دوائر الحكم حين يستدعيه ابن الرئيس «جلال» ليلعب مبارة كرة قدم معه ويبوح له بأزمته وأن شقيق زوجته الشاب يريد أن يعتنق المسيحية، وخوف أسرة الرئيس من تداعيات ذلك فى المجتمع ويدخل الشيخ فى حوارات طويلة مع الشاب ليفجر مفاجأة فى نهاية الفيلم ويحمل أسرة الرئيس مسئولية تفجير الكنيسة، ويأتى مشهد التفجير كأحد المشاهد المهمة تنفيذا واخراجا على الشاشة والتى يوجه من خلالها الفيلم إدانة للنظام السابق. ولايتوقف الفيلم، والرواية من قبله عن توجيه الإدانات للدولة وجهازها الأمنى وتدخله فى إدارة وتوجيه برامج الدعاة ولكن هل يجب تحميل الدولة كل الخطايا؟، وهل نتغاضى عن إرهاب الجماعة والاستهداف الذى تتعرض له مصر والمنطقة العربية؟..

على الطرف الآخر يطرح الفيلم قضية إسلام بعض المسيحيين الذى قد لايكون فى بعض الأحيان عن اقتناع تام بالدين أكثر من كونه محاولة للهروب من سلطة ما «سلطة الأب أو الزوج أو الكنيسة» مثل الفتاة التى تعلن اسلامها هربا من قسوة أبيها.

2

تميزت عناصر فنية عديدة  فى الفيلم مثل ديكور هند حيدر وملابس ريم العدل (برعا معا فى فيلم «نوارة») وموسيقى عادل حقى، وبرغم أهمية الفيلم جاءت بعض مشاهده فقيرة انتاجيا، باستثناء مشهد خارجى لمسجد السلطان حسن ومناطق القاهرة الاسلامية، فقد دخلت الكاميرا الى الاستديو ولم تغادره الا قليلا اذ جرى تصوير أغلب مشاهده داخليا سواء فى ديكورات البرنامج أو فى مشاهد المسجد والفيلا، وقد كنت أتصور أن عدم تضمنه لنجوم شباك كفيل بتوجيه الجزء الأكبر من ميزانية الفيلم للانفاق على الصورة التى كان من الممكن أن تكون أكثر ثراءا وحيوية.

تبدو بصمة المخرج الكبير مجدى أحمد على واضحة فى اهتمامه بالممثلين بداية من بطل الفيلم حتى ضيوف الشرف والأدوار الثانوية، فلا يوجد ممثل يمر من أمام الكاميرا الا وهو فى دوره المناسب الذى لا ترى له بديلا له، ثم فى سيناريو الفيلم الذى كتبه بنفسه من فرط حماسه للرواية بعد غياب عن السينما منذ قدم آخر أفلامه «عصافير النيل» المأخوذ عن رواية لابراهيم أصلان.

4

هل جاء فيلم «مولانا» لينقل وقائع حقيقية رصدها مؤلفه الكاتب ابراهيم عيسى وسط الآلة الاعلامية التى عاش كواليسها وشهد معاركها واختبر تفاصيلها مع تنقله فى أكثر من فضائية، ما نراه على الشاشة يؤكد نجاحه في ذلك، وإن كان السيناريو يشوبه تكدسه بطرح الآراء «الفكرية» و«النظرية» من دون التعمق فيها أو شرحها، أو اسنادها لحدث درامي، حتى أصبحت كل الشخصيات وكل الأحداث تقريبا تحاول فقط نقل آراء إبراهيم عيسى، من دون أن يجمع بين ما نشاهده أي خط قصصي ولو ضعيفا، والرابط الوحيد هو وجود الشخصية الرئيسية في دوائر الصراع، فبدا الفيلم مزدحما بما يريد أن يطرحه، رغم تماسه والوجع الذي ينقل من خلاله ويواكب به ما يحدث حاليا في الشارع المصري والعربي.