نبض الحياة اليومية والنظرة السلطوية في الأفلام الإيرانيّة

478 مشاهدة

الوكالات ـ  «سينماتوغراف»

أفلام عديدة متوغّلةٌ في أحوال الاجتماع الإيرانيّ، وكاشفةٌ ـ في الوقت نفسه ـ مكامن الخلل والانهيار والضياع فيه، من دون التغاضي عن تعاطي المخدّرات وحالات انتحار متنوّعة، بالإضافة إلى تورّط رجال الشرطة في أعمال نهبٍ وقتلٍ وفساد، أيضاً. وإذْ تعكس بعض تلك الأفلام ـ ومنها ما هو ممنوع من العرض التجاري، ومن المُشاركة في مهرجانات ونشاطات سينمائية داخل إيران ـ نبض الحياة اليومية، بكلّ ما فيها من إيجابيات (وإنْ تكن قليلة) وسلبيات؛ فإن القراءات النقدية والمشاهدات السينمائية معاً متمكّنةٌ، كلّها، من تبيان ما تحتويه تلك الأفلام من “رؤية” صائبة في تناولها تلك المآزق والتبدّلات غير السليمة.

ففي مقابل انصراف سينمائيين إيرانيين عديدين، وبعضهم ممنوع من العودة إلى إيران أو من السفر خارجها، إلى المخفيّ في بُنى الاجتماع الإيراني، وأحواله الصعبة، في مسألتي “الأوضاع المعيشية الصعبة” و”العلاقات القائمة بين الجميع” و”الحالات الأخرى”؛ فإن سياسات القمع والتشدّد والمنع، التي تنتهجها السلطات إزاء شعبها، تعثر على مكانٍ لها في صناعة سينمائية، تعتمد على حِيَل درامية وبصرية، في الكتابة والمعالجة والإخراج، كي تصل إلى الإيرانيين، بأي طريقة ممكنة، وكي ينتبه غير الإيرانيين إلى البلد وناسه وأحوالهما، عبر أفلامٍ تُشارك في مهرجانات دولية، وتُعرض في صالات تجارية غربية متفرّقة.

لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية

ذلك أن منع الموسيقى، مثلاً، بالغالبية الساحقة من أنواعها وأشكالها ونتاجاتها، يؤدّي إلى اختيارٍ سينمائيٍّ لمعاينة هذه الحالة، ولتقديم العالم المخفيّ لشابات وشبابٍ إيرانيين، منجذبين إلى الموسيقى والغناء، وساعين عبرهما إلى قول انفعالات وأهواء وهواجس، منبثقة من حالة المنع التي تطاول عيشهم وأحلامهم وأفكارهم. وهذا ما يصنعه بهمن قبادي (1969)، مثلاً، في “لا أحد يعرف شيئاً عن القطط” (2009)، الذي يروي حكاية شخصيتين حقيقيتين، تُشاركان باسميهما الفعلي في الفيلم، وهما الموسيقيّ أشكان كوشنيجاد، العامل على تأسيس فرقة موسيقية مع المغنية وكاتبة الأغاني نيغار شاتيغاهي، والراغبين في مغادرة إيران معاً، بشكل نهائيّ. والحكاية تتابع تجوّلهما في شوارع طهران، بحثاً عن موسيقيين ـ ينتمون إلى الـ “أندرغراوند” الموسيقيّ ـ يُشاركونهم الحلم هذا. والتجوال يكشف ارتباك الحالة الإنسانية لشبابٍ، يضعون في أعمالهم الفنية تلك هواجس العيش اليومي في بلدٍ مرتبك ومقموع.

لكن التوغّل في العالم السفلي للموسيقى الممنوعة يكشف حالة اهتراء وقمع وضغوط قاسية، يعاني إيرانيون كثيرون تداعياتها السلبية على أمور حياتهم اليومية، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن أي منفذٍ ممكن للهجرة النهائية من البلد.

“قصص” (2014) لرخشان بني اعتماد (1954)، مثلاً، يلتقي ـ شكلاً على الأقلّ ـ “تاكسي” (2015) لجعفر باناهي (1960): لقاء أناسٍ حقيقيين في روتين يومياتهم، كي يرووا، بأنفسهم، حكاياتهم كأفرادٍ هائمين في متاهات الارتباك الحياتي اليومي في بلدهم، فيقولون شيئاً كثيراً عن أمراض المجتمع وخفاياه، بلغة بسيطة وعادية، لكنها تحمل مضامين عميقة عن معاناة كبيرة في أحوال العيش. وإذْ تذهب بني اعتماد إلى هؤلاء الناس في يومياتهم (شاب سكّير، وامرأة تدفعها ظروفٌ قاسية إلى العمل في الدعارة لإعالة ابنها، ورجل يحلم بالهجرة من إيران، وسيدة مُصابة بمرض “فقدان المناعة المكتسبة”، وتعاني وضعاً صعباً في العلاج بسبب مرضها هذا)؛ فإن باناهي يقود سيارة أجرة، واضعاً فيها كاميرات صغيرة الحجم، كي يتمكّن من تصوير ما يبوح به ركّاب يستقلون سيارته في اتجاهات مختلفة في شوارع المدينة، فيكشفون حالة الارتباك العام في الاجتماع الإيراني، وحالة غليانٍ فردي وجماعي، يبدو الحراك الشعبي الأخير منبثقٌ منها.

فيلم تاكسي للمخرج جعفر بناهي

أما الوصف الأفضل للعلاقة القائمة بين بعض النتاج السينمائيّ الإيراني والحالة الاجتماعية ـ المفتوحة على السياسة والاقتصاد والمؤسّسات والغليان الإيرانيّ في بنى الاجتماع ويوميات ناسه ـ فيبقى في قولٍ لرخشان بني اعتماد: “أتكلّم كإنسانةٍ واقعية، لها همومها المنحصرة في مشاكل مجتمعها. لستُ منظّرة، ولا أبقى حبيسة جدران مكتبي، لأحكي عن محيطي الخارجي. أنا إنسانة واقعية. أفضّل ألاّ ألقي نظرة متشائمة على المجتمع، بيد أني شديدة الحساسية. لذا، لن تفوتني رؤية مَوَاطن الضعف فيه”.

هذا منطبقٌ على حالة سينمائية إيرانية، ترى الواقع كما هو، فتحاول تفكيكه لتبيان أحواله كافة. وهذا موجودٌ في أفلامٍ كثيرة، لمخرجين يعملون في بلدهم، وينبشون ما فيه من مظالم ومَوَاجع وخراب، ويجعلون أفلامهم مرايا ـ شفّافة وصادقة وقاسية، في آن واحد ـ لمجتمعٍ ينتمون إليه، ويعيشون فيه، ويلتزمون أفراده وقضاياهم وحكاياتهم.

والأمثلة عديدة، تتوزّع على مسألتين أساسيتين: أولى متعلّقة بسينمائيين ممنوعين من العمل في بلدهم، إما بسبب أفكار والتزامات يتّخذونها لأنفسهم في مواجهة نظام اجتماعي ـ اقتصادي ـ سياسي يعتبرونه ظالماً؛ وإما بسبب أفلامٍ، يراها النظام مخالفة لقوانين، أخلاقية وفكرية ودينية، يفرضها على العاملين في صناعة السينما. وثانية متعلّقة بـ “استشرافٍ” سينمائيّ ما للمقبل من الأيام، عبر التمعّن في أحوال الراهن. والحراك الشعبي الأخير نموذجٌ حيّ وواقعي لهذا الاستشراف، المستلّ من وقائع يومية حسّية.

فيلم انفصال للمخرج أصغر فرهادي

فمن محسن مخملباف (1957)، “الابن الرهيب” للثورة الإسلامية و”السينمائيّ الرسميّ” السابق لها، قبل خروجه النهائيّ من البلد، بسبب تشدّد الرقابة؛ إلى عباس كياروستامي (1940 ـ 2016)، “أول سينمائيّ إيرانيّ” يتعرّف إليه الغرب، فتُصبح أفلامه مدخلاً لهذا الغرب إلى السينما الإيرانية؛ مروراً ببهرام بيزاي (1938) مثلاً، المسرحيّ والسينمائيّ الممنوعة غالبية أفلامه من العرض الإيراني؛ وصولاً إلى جيل لاحق، يتمثّل بمرجان ساترابي (1969) وأصغر فرهادي (1972) وبهمن قبادي وتهمينة ميلاني (1960) ونيكي كريمي (1971) وليلى حاتمي (1972) ورفيع بيتز (1967) وغيرهم.

رفيع بيتز، مثلاً، أنجز “الصيّاد”، الذي ترافق إطلاق عروضه مع انتخابات 2009، لكنه بدا كأنه تقديمٌ سينمائيّ لواقعٍ، تعيشه إيران في تلك الفترة المضطربة. فالفيلم يروي حكاية حارس ليلي، يكتشف ـ بعد خروجه من السجن (القابع فيه 6 أعوام، من دون الإشارة إلى التهمة) ـ أن له ابناً (لن يكون منه، لكنه سيتغاضى عن تلك الكذبة، التي تقولها له زوجته سارا)، بالإضافة إلى ابنته الصغيرة. فجأة، تختفي عائلته الصغيرة أثناء تظاهرات شعبية، قبل أن يُدرك أن شرطياً أطلق الرصاص عليها، فأرداها. لذا، سيكون انتقامه من المسؤولين قاسياً.

الإيرانية تهمينة ميلاني

بينما تعود تهمينة ميلاني، المعنية في معظم أفلامها بوضع المرأة والضغوط التي تتعرّض لها لأسباب متفرّقة، في “النصف المخفي” (2001)، إلى الفترة اللاحقة، مباشرة، لنجاح الثورة الإسلامية، كي تكشف معاناة يساريين وشيوعيين، مطاردين من قِبل السلطة الحاكمة، ومعرّضين لتعذيب وملاحقات تؤدّي بغالبيتهم إلى حالاتٍ قاسية. والفيلم سيكون سبباً لإصدار حكمٍ ضدها بتهمة “دعم جماعات مناهضة للثورة الإسلامية”، قبل أن يُطلق سراحها بكفالة مالية.

أما الكذب، فـ”ثيمة” أساسية، “تحتل مكانة بارزة في السينما الإيرانية، ومعالجتها ثابتة في كثيرٍ من نتاجاتها”، كما يقول تعليقٌ نقدي، يستند ـ أيضاً ـ إلى قولٍ للممثلة الإيرانية غولشفته فرهاني (المقيمة في المنفى الفرنسي منذ نحو 10 أعوام): “منذ طفولتنا الباكرة، أي منذ بداية حياتنا، نتعلّم الكذب”. وهذا الأخير يُميّز حالة الفصل القائم داخل المجتمع الإيراني بين حياة عامة وأخرى خاصّة.

غولشفته فرهاني في فيلم جسد الأكاذيب

فيلمان اثنان يُمكن الركون إليهما، لتبيان مكانة الكذب في الاجتماع، والأهوال الناتجة منه، والمؤدية إلى شرخٍ عميق بين الناس، علماً أن اللجوء إليه ناتجٌ، غالباً، من “طبيعة العيش في ظلّ مناخٍ اجتماعي مخادع ومحتال”، كما في تعليق نقدي آخر: “انفصال” (2011) لفرهادي، و”ملبورن” (2014) لنيما جافيدي (1980). فالأول يكشف الاهتراء الحاصل بين زوجين، بسبب كذبة خادمة، تلجأ إلى أدوات عديدة للتنصّل من مسؤولية انهيار الحالة الصحية لوالد الزوج؛ والثاني يضع شابين اثنين، يستعدان للسفر إلى ملبورن الأسترالية لمتابعة دراستهما الجامعية، أمام موت طفل، بسبب كذبة جارة لهما، فتنهار عوالم، وتنفضح أحوال، ويتعرّى اجتماع قائم على الخديعة.

في ظلّ هذا كلّه، ألا يُمكن الاعتماد على تعليقٍ، يعيد رسم الملامح العامة لأحد أجمل أفلام عباس كياروستامي، “أين منزل صديقي؟” (1987)، القائل بأن سؤال العنوان قادرٌ على أن يكون سؤالاً عن “الوطن المفقود”؟ فالرحلة التي يقوم بها الفتى بحثاً عن منزل صديقه، كي يُعيد له دفتر الواجبات المدرسية، لن تبقى أسيرة جغرافيا عادية، بقدر ما تنفتح على بعض أحوال البلد وناسه، عبر نماذج مختلفة لأناسٍ يُقيمون في أهوالٍ مخفيّة، وانهياراتٍ صامتة، ومتاهات ترسمها كاميرا المخرج، كأنها جزءٌ أساسيّ من البناء الدرامي للحكاية.

أما “يحيى لم يبقَ صامتاً” (2015)، لكافيه إبراهامبور (1976)، فيستند إلى مفهوم الخديعة أو المواربة أو الصمت، كي يسرد معنى آخر للإشاعة، المؤدية إلى خراب داخل العائلة (أم داخل البلد؟). فالصبي يحيى (8 أعوام) يعيش تجربة عاصفة بأسئلة غامضة، ومشاعر مرتبكة، وتوهان نفسيّ وروحي، مع عمّته، التي تحوم حولها التباسات جمّة. وهو يجد نفسه، فجأة، في عالم مُغلقة أبواب كثيرة فيه. فالعمّة طبيبة، لكنها تعمل في الخفاء على إجهاض نساء لا يُردن أطفالهنّ، لأن الحمل ناتجٌ من علاقة خارج الزواج.

المخرج الإيراني محمد رسولوف

كذب، وفساد، وخديعة، وتهميش للفقراء ومحاربتهم واضطهادهم، كما في “رجل نزيه” (2017) لمحمد رسولوف (1973)، علماً أنه بعد فوزه بالجائزة الكبرى لمسابقة “نظرة ما”، في الدورة الـ 70 (17 ـ 28 مايو/أيار 2017) لمهرجان “كانّ” السينمائيّ الدوليّ، تمّ سحب جواز سفره، فور وصوله إلى مطار طهران، بسبب فيلمه الأخير هذا، الذي يتناول موضوع الفساد، واستخدام السلطة لمحاربة المهمّشين والفقراء. علماً أن رسولوف نفسه محكومٌ، سابقاً، بالسجن عاماً واحداً، في الوقت عينه مع جعفر باناهي.

فبعد انتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2009، شارك باناهي في التظاهرات الشعبية في يونيو/حزيران، الرافضة، ما اعتبره منظّموها “تزويراً” أفضى إلى فوز محمد أحمدي نجاد برئاسة ثانية. في نهاية يوليو/تموز من العام نفسه، تمّ توقيفه بتهمة المشاركة في احتفال تكريمي للشابة الإيرانية نِدا آغا سلطان (1983 ـ 2009)، التي قُتلت أثناء تلك المظاهرات. في الأول من مارس/آذار 2010، أوقف، مجدّداً، لمدّة 24 يوماً، وخرج بكفالة، قبل أن يُحكم عليه، في ديسمبر/كانون الأول 2010 بالسجن 6 أعوام، وبمنعه من إخراج الأفلام والسفر لـ20 عاماً. رغم ذلك، وبعد نقله من السجن إلى الإقامة الجبرية في منزله، تمكّن من تحقيق 3 أفلام، تمّ “تهريبها” إلى الخارج، وعرضها في مهرجانات دولية مختلفة.

المخرج أصغر فرهادي

لا تنتهي حكايات السينمائيين الإيرانيين، في علاقاتهم المضطربة بالسلطة الحاكمة. أفلامٌ عديدة لهم تعكس وقائع العيش في خرابٍ حياتي، ناتجٍ من اهتراء مؤسّسات السلطة، وانغماس كثيرين من مسؤولي الدولة في قضايا فساد وفوضى وبيروقراطية قاتلة.

لكن إحدى الحكايات تقول شيئاً آخر عن طبيعة النظرة السلطوية إزاء عاملين في السينما. ففي عام 2008، ظهرت الممثلة الإيرانية غولشفته فرهاني في “جسد الأكاذيب”، للبريطاني ريدلي سكوت (1937)، ما جعل الشابّة (مواليد طهران، 1983) أول “نجمة” إيرانية تدخل هوليوود، منذ الثورة الإسلامية (1979). لكن هذا يؤدّي إلى سحب جواز السفر منها، ومنعها من مغادرة البلد، بسبب استياء السلطات الحاكمة من ظهورها إلى جانب “رجل” (الممثل الأميركي ليوناردو دي كابريو، 1974). مع هذا، تمكّنت ـ بعد أشهر قليلة ـ من التسلِّل خارج بلدها، والبقاء في المنفى الفرنسي لغاية الآن.

هذه نماذج من واقع الحال السينمائي الإيراني، الذي لن يحول دون الاستمرار في صناعة سينمائية، تتوغّل في أحوال البلد وناسه، وتمتلك بنى درامية وفنية وجمالية وأدائية مهمّة للغاية، وتواجه خلل الحياة اليومية ببراعة فنية واضحة المعالم والملامح.