هل يمكن أن تكون السينما ملتزمة؟

893 مشاهدة

يرى البعض أنها الخالية من القبلات والإثارة ويؤكد آخرون بكونها المعبرة عن قضايا الوطن والتحرر

«سينماتوغراف»: وردة ربيع ـ الجزائر

تحتضن العاصمة الجزائرية في شهر ديسمبر من كل سنة فعاليات مهرجان الجزائر الدولي للفيلم الملتزم، ورغم وصول المهرجان لدورته الخامسة، الا أنه لا يزال مفهوم «الإلتزام» غير محدد، ويدور في فلك «القضايا الإنسانية» و«القضايا العادلة» مركزا على الموضوع بشكل عام دون العناصر الأخرى كالإخراج، أو إنتماء فريق العمل، خاصة أن «الإلتزام» ظل يتلون بحسب التغيرات الإيديوليوجية  والتاريخية  والسياسية وحتى الإجتماعية.

ويتبادر للذهن فور سماع عبارة «السينما الملتزمة» أن هذا النوع -إن استطعنا فصله كنوع مستقل- يخلو من الإثارة ولقطات «القبلات» على حد تعبير أحدهم !!. وفعلا يذهب بعض النقاد الى الفصل بأن من بين شروط السينما الملتزمة الإبتعاد عن الإثارة، لاسيما المشاهد الجنسية التي تعتبرها، مشاهد مبتذلة غير مرحب بها.

ولو بحثنا في ترجمة الإلتزام من اللغة الفرنسية نجده غير واضح فالترجمة الحرفية engagé..et avant garde ليست نفس المعنى بالعربية. الإلتزام أن تلتزم بشيء ما. أما engagé فشيء آخر بمعنى: إيمان بقضية ما، أو بمبدأ معين، وشتان بين أن تلتزم بشيء وأن تؤمن بشيء!.

جمال الدين حازرلي

ويعود الناقد السينمائي الجزائري «جمال الدين حازورلي» لتاريخ الإلتزام ويقول لـ«سينماتوغراف»: «إن الناس عرفوا الإلتزام في السينما خاصة في سبعينيات القرن الماضي حيث كان للحركات التحررية في العالم كحرب الفيتنام، وأحداث مايو 1968 في فرنسا، الأثر العميق على مجمل الفنون وليس على السينما فقط. ومن ناحية أخرى كان السينمائيون الفاعلون في الحقل السينمائي أصحاب قضايا سياسية، وميّالون لليسار بمفهومه الواسع، ولذلك كانوا يعتقدون أنهم سيّغيرون العالم بوقوفهم في أفلامهم إلى جانب القضايا التحررية العادلة. فجاءت السينما الإيطالية الرائعة  بمخرجين من أمثال «جيلو بونتيكورفو»، «إيتور سكولا»، «الأخوان باولو وفيتوريو تافياني»، وغيرهم في فرنسا. وفرض السينمائيون الآتون من الموجة الجديدة أنفسهم بمحاولات سينمائية لفضح ما قامت به فرنسا الإستعمارية في الجزائر، وفيتنام، فظهر «غودار آلان»، و«ريني بريسون». أما في البلاد العربية، فكانت سينما «صلاح أبو سيف» و«يوسف شاهين» الذي قدم من خلال حرب التحرير الجزائرية معنى الالتزام. ويظهر ذلك في تحوّله الكبير من أفلام الغناء، إلى قصة البطلة «جميلة بوحيرد». أما في الجزائر فالأمر كان واضحا ومرسوما بالنسبة للسينما الوطنية الجزائرية بتعرضها ليس فقط لحرب التحرير، ولكن بدعمها لسينمائيين ملتزمين بقضايا عادلة مثل «شاهين»، «سومبان»، «كوستا جفراس»، وهذا الأخير الذي يعتبر رائدا، صنع أكبر الأعمال السينمائية الملتزمة سياسيا.

وفي نفس الحقبة الزمنية ظهرت سينما أمريكا الجنوبية التي قدمت للعالم أجمل ما يمكن أن تقدمه فجاءت أعمال «ميغال لاتان»، «غلوبار روشا»، «خوسيه رومان»، لتحكي الإستبداد والفاشية التي كانت مسيطرة على مجمل بلدان أمريكا اللاتينية.

إن الحلم الذي رافق سينمائيي السبعينيات والثمانينيات وتلك المثالية التي كانت تميزهم تلاشت عند إنهيار المعسكر الإشتراكي، وسيطرة الفكر الرأسمالي على كل شيء، فتغير الإلتزام أو شكله القديم ليتحول إلى إلتزام من نوع آخر فرضه الواقع المتغير. ويبقى السينمائيون الفلسطينيون في الوقت الحالي  من السينمائيين القلائل في العالم الحاملين لفكرة الإلتزام السياسي في مجال السينما هذه السينما التي أوصلت القضية إلى المحافل السينمائية الدولية».

إذن فالإلتزام خلق مع الفكر الشيوعي ليتغير مع زوال هذا الأخير وينتقل من الفكر الإيديولوجي إلى السياسي.

ولطالما جسد مفهوم الإلتزام في السينما بصفة عامة مواضيع الفكر اليساري، وقضايا التحرر كفيلم «سينما كومونيستو» للمخرجة الصربية ميلا توراجيك، وفيلم «كونغ بين ليل هندو صيني طويل» للمخرج الفلبيني لام لي. ولم يقتصر الإلتزام على الحقل السياسي، بل امتد في عالم أحادي القطب إلى القضايا المختلفة، إلى التفكير في الدفاع عن الإنسان بغض النظر عن الحدود، إلى قضايا الإنسانية العادلة.

السينمائي أحمد بجاوي

ويؤكد «أحمد بجاوي»، باحث جزائري متخصص في السينما: «أن فكرة الإلتزام تعرف المزيد من التدقيق مع كل التغيرات الحاصلة، ولم تعد مرتبطة فقط بالسياسة والأيديولوجيا، بل ظهرت أنواع أخرى في مجالات مختلفة خاصة في المجال الإجتماعي. لكن الأكيد حسب المتحدّث، أن الإلتزام كمفهوم عام بقي مستقرا في الطرح والإنتاج السينمائي ولم يتجاوزه الزمن».

ولأن مفهوم الإلتزام مطاطي وغير محدد، إكتسى في الفترة الأخيرة ومع ما يشهده الوطن العربي من تغيير فيما يسمى «الربيع العربي» مفاهيم جديدة خاصة وأن الكثير من السينمائيين وجهوا كاميراتهم لتوثيق اللحظة. لكن تبقى إشكالية “هل موضوع العمل وحده كفيل بأن يدرجه في خانة الإلتزام؟».

الممثل الجزائري احمد رزاق

وحول هذه النقطة بالتحديد، يقول الممثل الجزائري «أحمد رزاق»: «الإلتزام قضية ما، يؤمن بها كل طاقم الفيلم من الكاتب إلى المخرج، إلى الممثل وغيرهم من صناع الفيلم. وهو أبعد من هذا إذ يعد قضية جوهرية وإنسانية عميقة. كما لا يمكن للسينما الملتزمة أن تعرض في قاعات الدولة شريطة أن تنتقض دولة أخرى».

ومع كل هذا التغيير اتسعت حلقة الإلتزام لتشمل روح السينما التي نجدها في أبناء المجتمعات الفقيرة. فالالتزام لا يعني بالضرورة أن ننجز أفلاما بإمكانيات هوليودية يشارك فيها نجوم ك «براد بيت» و«أنجلينا جولي» وتبلغ تكلفة إنجازها ملايين الدولارات، بل المهم في ذلك الموضوع الذي يقدمه العمل. وأيضا تمنح فكرة الإلتزام فرصة للتجارب الأولى. كما تهتم  بالبعد الإنساني للأفلام، كفيلم «ما وراء خطوط العدو» للمخرج الجنوب إفريقي «لانتسوي سيروتي»، الذي نجح في أن يصور حكاية من وحي الفصل العنصري.كما يجسد هذا المفهوم الذي تبناه مهرجان الجزائر الدولي للفيلم الملتزم والذي أسس قبل خمس سنوات في إطار «البناف» (المهرجان الإفريقي في الجزائر ) قضايا  القارة السمراء التي تحضر بقوة في كل دورات المهرجان على غرار الفيلم الطويل الغاني «معركة تباتو» للمخرج «جواو فيانا»، والذي تناول حكاية من العمق الإفريقي، و«عذاب رهبان تبحرين السبعة» للمخرج الجزائري مالك آيت عودية.

2