ينافس في نظرة ما: «طبيعة الحال» رهان على مستقبل مختلف للجزائر

1614 مشاهدة

 كان ـ مها عبد العظيم

يشارك الجزائري كريم موسوي في مهرجان كان السينمائي، وضمن الاختيارات الرسمية، بفيلم “في انتظار الوقت” (“طبيعة الحال”) في قسم “نظرة ما”. يبسط الشريط صورة قاتمة عن الوضع في الجزائر والأزمات التي تخترق مجتمعها.

إذا بدا لنا فيلم التونسية كوثر بن هنية، مصطنع التركيب والمحتوى عموما، فلقد ظهر فيلم الجزائري كريم موسوي (41 عاما) الذي ينافسه في نفس قسم “نظرة ما”، حاملا لرسالة أقوى سينمائيا وسياسيا وإن كانت تثقله نقائص عديدة. لكن حظوظ الفيلمين كبيرة في المسابقة فربما يساعدهما حضور المخرج المصري محمد دياب في لجنة التحكيم. وكان “اشتباك” لمحمد دياب قد افتتح قسم “نظرة” ما في الدورة الماضية لمهرجان كان.

عبر ثلاث حكايات وثلاثة أجيال، نلم ببعض وجه الجزائر اليوم. مراد هو صاحب مشاريع عقارية، مطلق، كل شيء يفلت منه : ابنه، شريكة حياته الجديدة رشا، وحتى سيارته التي تصاب بعطل في طريق خال. يشهد مراد على حادثة تعنيف رجل ليلا في مكان مقفر عندما “تخونه” السيارة. لا يخبر مراد الشرطة، أزمة الضمير أمام كل الاختيارات.

عائشة ممزقة بين حبها لجليل، وزواجها الوشيك من رجل تسافر مع عائلتها للقاء أهله (وجليل يقود السيارة)، الاختيار هنا أيضا الحاجز الأكبر، قرار العاطفة والقلب. أما دحمان، الطبيب المختص في أمراض الأعصاب، فيعود ماضيه إلى الواجهة قبيل زواجه أيضا. وماضي دحمان غامض ومرعب : لقد اضطره إرهابيون إلى الإشراف على علاجهم في الجبال حيث تغتصب امرأة أمامه ولا يتمكن من مساعدتها خوفا على حياته.

الكل شاهد وعاجز، والقرارات الحياتية والمصيرية مهملة أو مستحيلة سواء كان ذلك في الطبقة البورجوازية أو المتوسطة أو الفقيرة. فمراد يستشهد بالأدب الفرنسي ويسمع الموسيقى الراقية وتربطه بطليقته علاقات مهذبة، لكن الفساد أيضا يطال شركته، وابنه على غرار “شباب الأحياء” الجزائرية يريد التخلي عن دراسة الطب. اليأس ينهش المجتمع والبلاد على غرار النفايات المتكدسة والعمارات الخالية التي يبدع المخرج في تصويرها.

فتظهر الجزائر على غرار طفل لامرأة مغتصبة مصاب بمرض التوحد، منزوية على جراحها بين ماض لم تحلّ عقده وحاضر مبهم. أما المستقبل.. فهل هو بين أيدي السينمائيين الشبان الذي يحملون على عاتقهم مسؤولية تجديد اللغة والرؤى؟

متى نغير “طبيعة الحال”، متى نخرج من الركود والاستسلام، من الاستعمار والإرهاب، من مواضيع الاغتصاب والزواج، من هيمنة الجيش والشرطة والفساد ؟ من المؤكد أن موسوي لا يملك الإجابة، ولا بن هنية.

لكن يحاول المخرج الجزائري ويبحث عن كيفية ذلك. فمراجعه السينمائية ثرية وتأهله لبعث روح جديدة في هذا المجال. نلاحظ مثلا أثر بونوال (خصوصا في “شبح الحرية”) في نسجه لتناقل السرد بين مختلف الشخصيات، وحتى إلى كوستوريكا في مشهد رقص مخضرم ومبهت. على خلاف بن هنية، على الأقل هناك في فيلم موسوي محاولة (وإن لم تكن دائما ناجحة) وسعي لتفكيك المفاهيم، فالمشهد الذي تظهر فيه بطريقة مفاجئة تكاد تكون سريالية، لفرقة موسيقية وراقصين وسط ديكور جبلي صحراوي تجيب كصدى وتكسر مشهد الرقص خلال حفل الزواج “التقليدي”.

رغم ضعف كبير في إدارة الممثلين وبعض الثرثرة والمجاز السهل والمباشر، يبقى عمل موسوي من أكثر الأعمال العربية التي نراهن على مستقبلها في المنطقة، وهو صاحب الفيلم القصير “الأيام السابقة” (2013) الذي لاقى نجاحا كبيرا عبر مهرجانات دولية.