127 عاما على ذكرى الصعلوك شارلو.. صاحب التأثير الأكبر في السينما

4719 مشاهدة

 

عماد النويري

بقلم: عماد النويرى

لا يزال تشارلى تشابلن، المولود في مثل هذا اليوم 16 أبريل من عام 1889، صاحب التأثير الأكبر في المشاهدة السينمائية. فلم يستطع أحد أن يحتل موقعه كممثل ومخرج ومؤلف وموسيقي بارع، كما يذكر له دائما انه نجح  في إيجاد  لغة بسيطة للتواصل مع جمهور متعدد الاتجاهات والأذواق والثقافات. وخلال أفلامه لم ينس البسطاء، وبقي يقدم قصصهم وحكاياتهم عبر شخصية المتشرد الصعلوك التي تبناها حتى اصبح واحدا من اهم السينمائيين الذين تركوا بصمة واضحة على صفحات تاريخ الفن السابع.

بلا تردد يمكن القول إن أفضل حركات إيمائية، وأعمق مشاعر، وأغنى روح شاعرية تتواجد في أعمال الممثل والمخرج وكاتب السيناريو والموسيقى والمنتج تشارلى  تشابلن «المتوفي في 25 ديسمبر 1977». إنه بلا مبالغة على رأس قائمة أهم فناني  السينما، وحتما من أفضل المؤدين على الشاشة، وربما يظل إلى الآن العلامة الأبرز في تاريخها. يصف المؤرخ والناقد السينمائي ديفيد تومسون تشارلى تشابلن بأنه صاحب أشهر صورة في القرن العشرين. وغير ذلك فقد استخدم الفنانون والنقاد من عبارات الثناء والتبجيل في وصفه ما لم يستخدم في وصف أى فنان اخر. قال برنارد شو  إنه العبقري الوحيد الذى نشأ في السينما، وأكد المخرج والممثل ماك سينت الذى عاصره أنه اعظم فنان في التاريخ. ووصفه المخرج الإنجليزي الشهير ريتشارد اتينبورو بأنه أعظم رجل في تاريخ السينما.

 عانى تشابلن في طفولته البائسة من الفقر، الجوع، القسوة والوحدة والتي أصبحت مواضيع هامة في كوميدياه الصامتة والناطقة على حد سواء. وخلال مراهقته شهد تشابلن وفاة والده جراء إدمانه الكحول. كما شهد أيضا دخول أمه مصحة عقلية، عندها اضطر وأخوه سيدني إلى دخول عدة إصلاحيات للأحداث. وفي سن الـ16  بدأ بلعب شخصية بيلي في مسرحية ويليام جيليت «شيرلوك هولمز» 1905. كما أن عمل أخيه في مجال التلقين ساعده في الحصول على أدوار في مسرحيات فريد كارنو مثل شخصية الثمل في «ليلة في قاعة الموسيقى الإنجليزية» واسكتشات «مهرج بالأبيض  والأسود». ومن خلال جولة فرقة كارنو في الولايات المتحدة وقعت عينا منتج الأفلام الأمريكي ماك سينيت على تشابلن ووقع معه عقدا لشركته كيستون. ولم يظهر شابلن في دور المتسكع الصعلوك إلا في العام 1915. ففي يوم طلب منه المخرج الأمريكي «ماك سينيت» بعد إشراكه في أحد الأفلام، أن يضع ماكياجا مضحكا، فلم يجد تشابلن إلا أن يرتدي بنطلونا منفوخا وسترة ضيقة، وحذاءً ضخما، وقبعة صغيرة، وعصا وولصق شاربا قصيرا، ثم ارتجل مشية لهذه الشخصية.

ولما أبدى المخرج إعجابه بالملابس ووصف صاحب تلك الشخصية بأن صاحبها  «رجل ذو جوانب متعددة، فهو صعلوك ومهذب وشاعر وحالم ووحيد في الحياة، ولكنه يأمل في أن يحب ويغامر، وهو يستطيع أن يوهمك بأنه عالم، أو دوق أو لاعب بولو. ومع ذلك لا يمتنع عن التقاط أعقاب السجائر أو خطف الحلوى من الأطفال.. ». بقي تشابلن يتحدث لمدة عشر دقائق عن الشخصية التي ابتكرها وسينت المخرج يضحك. ولما دخل تشابلن الأستوديو، تعثر بقدم أحد العمال فوقع أرضا، ثم وقف لكنّه تعثر مرة أخرى بقطعة من الأثاث ووقع على الأرض، فقام ورفع قبعته لقطعة الأثاث وكأنه يحييها، فضحك جميع من في الأستديو، وهكذا خرجت للنور شخصية المتسكع الصعلوك. ومع ميلاد الشخصية استوحى تشابلن أسلوبه من تقاليد الايماء الفرنسية، وأساليب الأداء في المسرح الإنجليزي، وهو ما تم اعتماده في نتاجات ماك سينيت الذي كان يدير شركته باقتدار منتجا فيلمين أسبوعيا.

في فيلمه الأول لسينيت «التكسب» 1914، لعب تشابلن دور المتشرد على طريقة ماكس برت. لكن في فيلم «سباق السيارات للأطفال في فينسيا» ظهر في ملابسه التى اشتهر بها، وأظهر هذا  الفيلم مهارة تشابلن في التواصل مع الجمهور.. وبعرض فيلمه الثالث عشر «عالق تحت المطر» بدأ تشابلن إخراج أفلامه بنفسه. ويذكر انه في هذا العام قدم 35 فيلما، وبدأ ظهور الاختلافات بينه وبين سينيت لاختلاف الأساليب، حيث أصبح تشابلن أقرب للكاميرا بأكثر مما سمح له. تشابلن قدم إلى عالم شركة كيستون كوميديا عاطفية جديدة وقدرة على نقل الأفكار والمشاعر بطريقة أكثر اتساقا.

وفي سنة واحدة أحدث تشابلن ثورة في عالم أفلام الكوميديا، وحولها من الكوميديا الهزلية إلى فن بإضافة ملامح للشخصية، بالإضافة إلى الإيماء. أما كمخرج فقد تمرد على أسلوب المخرج  المعروف غريفيث في مونتاج الأفلام. فقدم على حد قول أندريه بازان «كوميديا المساحة» حيث أصبحت شخصية الصعلوك تتفاعل مع كل ما تراه على الشاشة مع اعادة  بنائها من خلال حضوره. كما أن الأسلوب الذي أدى فيه تشابلن أدواره أحدث تغيرا مهما مهد به الطريق لظهور باستر كيتون، هارولد لويد، هاري لاندغون وستان لوريل.

هذا الأسلوب كان يجعل الأحداث تتولد من خلال تفاعل الشخصية مع  محيطها. واصبح هناك تركيز على الشخصية والمواقف التي تنتج من تصرفاتها. واستطاع تشابلن أن يصبح في أقل من سنتين الممثل الأكثر شهرة في الولايات المتحدة، ولم يكن يُكتب قبل ظهوره اسم الممثل على لافتات السينما، فكان تشابلن هو أول ممثل تعلن الشركات ودور العرض عن اسمه؛ «تشابلن هنا… » وبذلك يكون نظام النجومية قد بدأ العمل به مع ظهور هذا الممثل العبقرى.

ولكن تحول تشابلن من النجومية إلى أسطورة لم يأت عن طريق شركات الإنتاج أو وسائل الأعلام، ولكن عن طريق العامة الذين كانوا يتابعون أفلامه. وفي عام 1915 أصبح تشابلن أيقونة مميزة فظهرت باسمه قصائد ورسوم كارتونية ورسوم كاريكاتيرية في الصحف اليومية. كما ظهرت دمى على هيئة تشابلن وكتبت عنه بعض الكتب وظهرت العديد من الألعاب المتعلقة بشخصية الصعلوك.

كانت  المدة بين عامي 1915 إلى 1925 هى الفترة التي شهدت استقلال تشابلن كصانع أفلام خصوصا بعد ظهور نظام الأستوديو الجديد وارتفع أجره وزادت شعبيته الكبيرة وحريته الفنية. فبعد تركه شركة سينيت وقع عقدا مع شركة إيسساني تدفع له بمقتضاه الشركة 1250 دولار أسبوعيا. وبحلول عام 1918 أدت شهرة تشابلن إلى توقيعه عقدا مع شركة فيرست ناشيونال بقيمة مليون دولار. كما وافقت الشركة على بناء استوديو خاص به.

وفي ايسساني، بدأ تشابلن جمع فريق عمله وأصبح ظهور إيدنا بورفيانس كممثلة رئيسية في أعماله من العلامات المميزة التى تدعو الى الاحترام. وفي أفلام «المصرف» 1915 و«الصعلوك»  1915، قدم تشابلن عنصرا جديدا لأفلامه هو النهاية غير السعيدة. فلأول مرة ينتهي أحد أفلامه بخروج الصعلوك وحيدا يتبختر حاملا عصاه متجها نحو طريق مهجور.

وتعتبر الأفلام الـ12 التي جاءت بين العامين 1916 و1917 أفضل إنجازاته ومنها «الواحدة صباحا»، «محل الرهونات»،  «خلف الشاشه»، «ساحة التزحلق»، «الشارع السهل»، «العلاج»، «المهاجر»، «المغامر» وكلها أظهرته أستاذا أثناء أدائه لعمله ممسكا بجميع خيوط الكوميديا.

وفي أفلامه  لشركة فيرست ناشيونال مثل :  «حياة كلبة»  1918، و«كتفا سلاح» 1918، «الحاج 1923» اخذ تشابلن أولى خطواته نحو الفيلم الكوميدي الروائي الطويل. واثبت فيلم «الصبى» 1921 الذي تحول إلى فيلم طويل بعد أن كان مقررا  أن يعرض كثلاثة أجزاء أن باستطاعة تشابلن الحفاظ على طابعه الفكاهي لمدة طويلة. وفي عام 1919 قام تشابلن «إلى جانب النجوم دوغلاس فيربانكس وماري بيكفورد والمخرج د.و. غريفيث» بإنشاء شركة «يونايتد آرتيستس او اتحاد الفنانين» كوسيلة لنشر أفلامهم من دون تدخل الاستوديوهات الكبيرة. وكان اول إنتاج لتشابلن عن طريق «يونايتيد آرتيستس» هو انتاج فيلم  «امرأة في باريس» 1923 وهو كوميديا على غير نمطية تشابلن السابقة. وكان الفيلم من بطولة المدللة إدنا بورفيانس. وظهر تشابلن في الفيلم بلقطة سريعة فقط. وكان هذا الفيلم أول خسارة انتاجية لتشابلن. وفي فيلم «حمى الذهب» 1925 وجد تشابلن صدى طيبا لدى الجمهور وحاز على إعجابهم. ولكن في هذه الأثناء كان تشابلن يعيد اكتشاف فنه من جديد، ويسلط الأضواء على تفاصيل دقيقة في شخصيته الكوميدية. في فيلم «السيرك» 1928 يبحث تشابلن عن طبيعة العلاقة بين الكوميديا وتلقي الجمهور لها. وفي فيلم «أضواء المدينة» 1931 شهد الجمهور قمة أداء تشابلن في أداء شخصية الصعلوك، أضف إلى ذلك الخط الرفيع بين الكوميديا والتراجيديا في هذا الفيلم. أما في فيلم «العصور الحديثة» 1936 فقد ودع تشابلن شخصية الصعلوك تاركا المجتمع في انهيار، ويرحل باتجاه شروق الشمس ممسكا بيد الفتاة المتسولة.

ويلاحظ  أن ملامح أفلام تشابلن قد تغيرت خلال هذه الفترة، نظرا لسلسلة من المشاكل العاطفية التي مر بها. وقام بحصر جميع أعماله داخل الأستوديو. كما ارتبطت عاطفته أكثر بالسخرية وفقدان الأمل. حيث قال في إحدى المرات إن الصعلوك الكبير في العمر ليس مضحكا أبدا.

ومع فيلم «مسيو فيردو» 1947 انقلب جمهوره الذي يحبه عليه. وفي عام 1952 وجد تشابلن الذي لم يحصل على الجنسية الأمريكية نفسه ممنوعا من دخول الولايات المتحدة. وكانت ردة فعل الجمهور عنيفة جدا حتى أن فيلم «ملك في نيويورك» 1957 وهو فيلم ساخر من العادات الاستهلاكية الأمريكية ظل ممنوعا من العرض حتى عام 1976.

عن تشابلن ورحلته الفنية وعن شخصيته السينمائية الفذة كتب أكثر من ألف كتاب ومقال ترجمت الى أكثر من 40 لغة ويقدر عدد مشاهدي كل فيلم من الأفلام التى قدمها بين  1918 و1936 وهى من أفلامه الصامتة الطويلة بأكثر من 300 مليون شخص يضاف الى ذلك آلاف الملايين من الناس الذين شاهدوا أفلامه الأخرى قبل وبعد تلك الفترة .

لقد اقترنت شخصية المتشرد السينمائية بشخصية تشارلى تشابلن في أذهان وخيال أجيال عديدة من رواد السينما في جميع أنحاء العالم، واستحوذ «شارلو» على حب الناس بتقديم أعمال سينمائية رفيعة في مستواها الفني وذات مضمون اجتماعي وانسانى حرك مشاعر ووجدان الناس. لقد أسهمت أفلام تشارلى تشابلن بفصل رئيسي وبالغ الأهمية في تاريخ السينما الأميركية، ولعبت هذه الأفلام دورا في التطور الفنى للفيلم الأميركي.

وتمثل روائعه السينمائية مثل «البحث عن الذهب» و«العصور الحديثة» و«أضواء المدينة» وغيرها علامات مضيئة في قائمة كلاسيكيات السينما العالمية. وكان للأكاديمية الأميركية لفنون وعلوم السينما ان تمنحه جائزة أوسكار فخرية عام 1972 تقديرا لـ «الدور الذى يفوق الوصف الذى لعبه في تحويل صنع الأفلام السينمائية الى النمط  الفنى المميز للقرن العشرين».