21 عاما على رحيل الطيب و21 فيلما تكشف خطايا المجتمع

3218 مشاهدة

نجيب محفوظ منحه لقب «عميد الواقعية»

«سينماتوغراف» ـ انتصار دردير

لعله كان يسارع الزمن لانجاز أكبر عدد من الأفلام قبل رحيله، ولعله كان يشعر بأن العمر قصير والوقت ضيق والأحلام تقف على شاطئ الانتظار، فخلال خمسة عشر عاما هى عمره الفنى استطاع المخرج الكبير فنا وموهبة عاطف الطيب أن يقدم للسينما المصرية 21 فيلما تعد تشريحا صادقا للمجتمع المصرى، كشف فيها المستور عن فساده وبراءته، أخطائه وخطاياه، هزائمه وانتصاراته، وتوج من خلالها كرائد للواقعية الجديدة فى السينما المصرية، تلك الواقعية التى بدأها المخرج الكبير صلاح أبو سيف ومن قبله المخرج كمال سليم، وان كان الطيب قد اختار واقعية صادمة.

عاطف الطيب، الجنوبى، المولود فى صعيد مصر، فى 26 ديسمبر1947، والذى رحل فى مثل هذا اليوم 23 يونية من عام 1995، يؤكد بسنوات رحيله البعيدة أن الأيام تطير ولاتجرى كما كنا نعتقد، وأن أمثاله من المبدعين لايرحلون لأنهم تركوا ميراثا يخلدهم، فغيابه يكثف حضوره، فهو الغائب بجسده الحاضر دوما بأفلامه الصادقة، الصادمة والتى نتوقف عند أكثرها جرأة فى هذه السطور.

سواق الاتوبيس

سواق الأتوبيس

يكشف الفيلم الأول عادة عن كثير من اتجاهات وموهبة مخرجه، لكن مع عاطف الطيب بدا الأمر مختلفا اذ لم يكن فيلمه الأول – الذى جاء بعد عشر سنوات من تخرجه فى معهد السينما، عمل خلالها كمساعد مخرج ومونتير مع كبار المخرجين المصريين والأجانب «الغيرة القاتلة» ينبئ بذلك الاتجاه الذى ترسخ فى أفلامه التالية، فقد اختار أن يقدم معالحة جديدة لمسرحية «عطيل» لشكسبير فى فيلم لعب بطولته نور الشريف ويحي الفخرانى ونورا، والذى طرح فكرة الغيرة من خلال شخصياته الثلاث عطيل وديدمونة وياجو، وقد كشف الفيلم عن قدرات المخرج الشاب الفنية التى تنبئ بموهبة قادمة بقوة، لكن أغلب النقاد لايتوقفون طويلا عند هذا الفيلم، ربما لأن عرضه التجارى جاء بعد فيلمه الثانى  والأهم «سواق الأتوبيس» الذى كشف عن حجم موهبته واتجاهه بدقة وأخرجه الطيب بعد عامين من فيلم  «الغيرة القاتلة» وتحديدا فى 1983، وجاء الفيلم بمثابة صرخة ضد الانقلاب الحادث فى القيم عقب مرحلة الانفتاح الاقتصادى التى أطلقها الرئيس السادات فى نهاية سبعينات القرن الماضى، سيناريو الفيلم جاء بتوقيع المخرج محمد خان وكاتب السيناريو بشير الديك الذين تقاسما القصة والسيناريو، كما شكل خان مع عاطف وخيرى بشارة وداوود عبد السيد تيار الواقعية الجديدة التى عملت على تعرية المجتمع، الفيلم الذى اختار لبطولته نور الشريف ومرفت أمين والفنان الكبير عماد حمدى، يعرض الطيب مفارقة كبيرة عن الذين حققوا نصر أكتوبر العظيم ولم يجنوا شيئا من ثماره فقد انقض عليه آخرين لم يشاركوا فى المعركة ولم يكن لهم أى دور فى تحقيق النصر، أن حسن بطل الفيلم يعمل سائق أتوبيس نهارا، وسائق تاكسى ليلا، فى محاولة لمواجهة أعباء الحياة ومطالب زوجته المتزايدة، يفاجأ بأن ورشة  النجارة التى يمتلكها والده يتم الحجز عليها من قبل مصلحة الضرائب وعرضها فى مزاد علنى لاهمال زوج شقيقته الذى يديرها، وبين حزن الأب على الورشة وضيق ذات اليد يلجأ حسن لأزواج شقيقاته فى محاولة لانقاذ الورشة لكن الكل يطمع ويستغل حاجة حسن ووالده، وقد برع عاطف وأبطاله فى التعبير عن مصر عقب نصر أكتوبر وما ترتب عليه من حالة انفتاح اقتصادى أخلت بمنظومة القيم الاقتصادية والاجتماعية، وقد شارك الفيلم فى مهرجان نيودلهى للسينما وفاز بطله نور الشريف بجائزة أفضل ممثل، كما احتل الفيلم الترتيب الثامن فى قائمة أفضل مائة فيلم مصرى فى الاستفتاء الذى أجراه مهرجان القاهرة السينمائى عام 1996.

الحب فوق هضبة الهرم

الحب فوق هضبة الهرم

ويأتى فيلمه «الحب فوق هضبة الهرم» 1986 عن قصة الأديب الكبير نجيب محفوظ والذى يلتقيه بعد ذلك فى رائعته «قلب الليل»، وكتب له السيناريو والحوار مصطفى محرم، يعكس الفيلم أزمة مجتمع ما بعد الانفتاح الاقتصادى الذى أدى لاختلال المجتمع،  فيتهم الشاب وزوجته بارتكاب فعل فاضح فوق هضبة الهرم، وتتزوج شقيقة البطل الجامعية من السباك غير المتعلم الذى يوفر لها حياة كريمة رغم كل التباين الثقافى بينهما.

شهادة الأديب الكبير نجيب محفوظ الذى آثر دوما السلامة فى علاقته بالأفلام المأخوذة عن رواياته فكان يردد (أنا مسئول عن روايتى المكتوبة ، أما الفيلم فهو وسيط آخر يخضع لرؤية مخرج) لكن محفوظ خرج عن حياده وعبر عن براعة المعالجة السينمائية التى قدمها الطيب للقصة الأصلية بقوله : لقد قدمت لى السينما عشرات الأفلام ولكنى أعتقد أن «الحب فوق هضبة الهرم» من المعالجات السينمائية الجيدة التى لم تستغل النص الأدبى، انما حول القصة الأدبية الى شكل سينمائى مميز جعل منها بالفعل علامة مهمة فى تطور السينما فى مصر وجعل من مخرجها عميدا للخط الواقعى فى السينما المصرية الحديثة، وقد عرض الفيلم فى أسبوعى المخرجين بمهرجان كان ونال استحسانا كبيرا.

البريء

البرئ

وفى نفس العام يقدم الطيب واحدا من اهم أفلامه «البرئ» مع المؤلف وحيد حامد وبطولة أحمد زكى، محمود عبد العزيز وممدوح عبد العليم، وهو الفيلم الذى آثار ضجة كبيرة قبل عرضه ووقع فى أزمات مع الرقابة التى طالبت بتغيير نهاية الفيلم الأكثر جرأة فى تاريخ السينما المصرية إذ يتعرض لمفهوم الوطن والحرية من خلال بطله المجند الأمى أحمد سبع الليل الذى يعامل السجناء باعتبارهم أعداء الوطن ولايتورع فى قتل أستاذ جامعى باعتباره من أعداء الوطن، وحين يكتشف وجود ابن قريته الوطنى المخلص حسين وهدان «ممدوح عبد العليم» بين الطلبة السجناء يرفض أن يصدق أنه من أعداء الوطن ويكتشف كذب ماعاش فيه سنوات ويعود لينتقم من الجميع داخل المعسكر الأمنى بما فيهم توفيق شركس الضابط الكبير الذى يقوم بالتنكيل بالسجناء ويعرضهم لأقسى أنواع الاعتداءات البدنية والنفسية.

فى هذا الفيلم لابد أن نتوقف طويلا أمام جرأة الطرح وعبقرية الأداء، وقد تعددت الروايات حول موقف الرقابة من الفيلم لكن الكاتب الكبير وحيد حامد نفى ماتردد عن حذف الرقابة لمشاهد عديدة من الفيلم وذلك فى حواره مؤخرا مع «سينماتوغراف»  مؤكدا أن منتج الفيلم صفوت غطاس هو من قام من تلقاء نفسه بحذف عدد كبير من المشاهد التى كانت الرقابة قد إعترضت عليها، وذلك حينما علم أن  لجنة تضم وزراء الداخلية والدفاع والثقافة ستشاهد الفيلم، أما عبقرية أداء أحمد زكى فى الفيلم فقد بلغت مداها، إذ توحد زكى مع شخصية أحمد سبع الليل، وظل قابضا على الشخصية ولم تفلت منه لقطة واحدة، حتى أن الناقد السينمائى الراحل أحمد صالح كتب عن أدائه فى هذا الفيلم «الفنان الذى يمثل حتى بقفاه».

قلب الليل

وفى فيلم «قلب الليل» يتصدى عاطف الطيب لواحدة من أصعب القصص التى كتبها الروائى العالمى نجيب محفوظ وكتب لها السيناريو والحوار محسن زايد، والتى تعبر عن بعد فلسفي يتعلق بقضية الحرية، وقد جسد أدوار البطولة نور الشريف وهالة صدقى ومحمود الجندى، ورغم أن الفيلم لم يحقق نجاحا تجاريا يماثل نجاح أفلامه الأخرى، الا أنه يعد واحدا من أهم أفلام الطيب خاصة فى تكنيكه الفنى وكادراته البديعة وفى حرصه على تقديم النص الروائى بنفس رؤيتة الفلسفية.

الهروب

الهروب

ومع بداية التسعينات وتحديدا عام 1991 يفاجئنا عاطف الطيب بفيلمه «الهروب» الذى جاء أكثر جرأة فى انتقاده للسلبيات الاجتماعية والسياسية، وفى تشريحه للتحولات التى طرأت على شخصية «منتصر» بطل الفيلم والذى يجد نفسه متهما فى عدة قضايا يتحول بسببها الى سفاح ولايجد مفرا سوى الهروب، ينتقد الفيلم مثل البرئ تسلط الأمن فى مواجهة بطل الهروب حين يطلب الضابط المكلف بالقبض على منتصر عدم اصلاق الرصاص علي المتهم حتى يتمكن من القبض عليه حيا، لكن رؤسائه من كبار رجال الأمن لايعتدون برأيه وينتهى الفيلم بمقتل منتصر والضابط معا بعد أن تم اطلاق الرصاص خلال القبض عليه.

ضد الحكومة

أحداث واقعية كشفها الكاتب الصحفى الراحل وجيه أبو ذكرى فى سلسلة مقالاته عن «مافيا التعويضات»، استرعت انتباه عاطف الطيب فقدمها من خلال فيلمه «ضد الحكومة» الذى كتب له السيناريو والحوار بشير الديك وشارك فى بطولته أحمد زكى ولبلبة وأبو بكر عزت ، يدين الفيلم الحكومة فى حادث اصطدام سيارة مدرسية بقطار ينجم عنه تمزق جثث التلاميذ الأبرياء وينشط محامى التعويضات فى رفع القضايا والحصول على تعويضات من الحكومة لاتصل لأهالى الشهداء، ويتضمن الفيلم حوارات جريئة تدين الحكومة وترى أنها المسئولة عن إزهاق أرواح الأبرياء  ففى أحد المشاهد يقول المحامى صاحب القضية (البلد مش هتتقدم الا بمواجهة أخطائها، مش عيب أننا نبقى بلد متخلف لكن العيب اننا نحط راسنا فى الرمل ومانواجهش التخلف ده)، وقد دخل المخرج فى صدام مع الرقابة التى قامت بحذف عدة مشاهد وهو ما أكدته الفنانة لبلبة خلال ندوة تكريمها هذا العام بمهرجان الأقصر وقالت: قامت الرقابة بحذف مشهدين مهمين لى كنت أتحدث فيهما عن التعذيب الذى ينتظر المحامى فى مواجهة الحكومة.

فيلم ليلة ساخنة

ليلة ساخنة

لم يكن فيلم «ليلة ساخنة» هو آخر أفلامه لكنه كان أجملها وربما أصدقها، وقدمه الطيب فى اطار من التشويق والاثارة فى أحداث تدور خلال ليلة رأس السنة، فبينما القاهرة تسهر حتى الساعات الاولى من الصباح تستقبل العام الجديد، يلتقى سائق تاكسى مع حورية عاملة النظافة التى تضطر للخروج فى تلك الليلة لتبيع جسدها من أجل ترميم البيت الذى تقيم فيه، بينما يسعى سائق التاكسى للعمل فى تلك الليلة حتى يستطيع تدبير نفقات علاج والدة زوجته المتوفاة وطفله المعاق، وقد شارك الفيلم فى عشرات المهرجانات السينمائية حاصدا جوائز عديدة.

مفاجأة الفيلم كانت فى بطلته الفنانة لبلبة التى عرفت بأدوارها الاستعراضية الخفيفة لكن عاطف الطيب أعاد أكتشافها من جديد ليقدمها فى دور محامية تتصدى للفساد فى «ضد الحكومة» ثم فى «ليلة ساخنة» ليؤكد قدرتها على أداء الأدوار التى تتطلب براعة فى الأداء والاقناع، وقد حصدت لبلبة عدة جوائز عن دورها فى ذلك الفيلم، وهكذا كان الطيب مع أبطال أفلامه الذين يعول عليهم فى توصيل رؤيته الفنية، لكن يبقى كل من نور الشريف وأحمد زكى صاحبا نصيب الأسد فى أفلامه، إذ لعب نور بطولة تسعة أفلام حملت بصمة عاطف الطيب ( الغيرة القاتلة، سواق الأتوبيس، ضربة معلم، كتيبة الاعدام، الزمار،  قلب الليل، ناجى العلى، دماء على الأسفلت، ليلة ساخنة)، بينما كان أحمد زكى بطلا لخمسة من أهم أفلامه (التخشيبة،  الحب فوق هضبة الهرم، البرئ، الهروب، ضد الحكومة).

واذا كنا قد اخترنا تناول الأفلام الأكثر جرأة فى مشوار عاطف الطيب، فان أفلامه ال21 التى أنجزها خلال عمره القصير تعد بلا استثناء تجارب مهمة لاتقل عن أفلامه الأخرى، فمن الصعب أن تسقط منها فيلما، أو تقول أنه قدمه تحت ضغوط مادية أو تنازلات فنية فهذه الحجج التى يسوقها أغلب المخرجين لم يكن لها محلا من الاعراب لدى عاطف الطيب الذى آمن بالسينما وتعامل معها كمقاتل بحكم مشاركته فى حرب أكتوبر، فلامجال للتنازلات ولاطريق ثالث إما النصر أو الشهادة.

ومثلما كانت أفلامه صادمة، جاء رحيله أيضا صادما، ففى ظل مشروعات فنية عديدة تحاصره، تعرض لأزمة قلبية، ودخل المستشفى ليجرى جراحة عاجلة، واذا بكل أصدقائه ومحبيه يتلقون خبر وفاته خلال إجرائه الجراحة فتعتريهم الصدمة، ويستعيدون كيف كان الطيب، موهوب وطيب حقا.

فيلموغرافيا أفلام عاطف الطيب :

1-    الغيرة القاتلة   1981

2-    سواق الأتوبيس   1983

3-    التخشيبة  1984

4-    الزمار  1984

5-    الحب فوق هضبة الهرم 1986

6-    ملف فى الأداب  1986

7-    البرئ   1986

8-    أبناء وقتلة   1987

9-    البدرون   1987

10-  ضربة معلم 1987

11-  الدنيا على جناح يمامة   1989

12-  كتيبة الاعدام  1989

13-  قلب الليل 1989

14-  الهروب 1991

15-  ناجى العلى 1992

16-  ضد الحكومة 1992

17-  دماء على الأسفلت 1992

18-  إنذار بالطاعة   1993

19-  كشف المستور 1994

20-  ليلة ساخنة   1995

21-  جبر الخواطر  1995

بعد ورطة أميتاب باتشان.. نيللي كريم تتأخر للختام ووزير الثقافة المصري يغيب عن افتتاح «الأقصر الأفريقي»

الأقصر ـ خاص «سينماتوغراف» ورطات مستمرة في الدورة السادسة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، بعد الإعتذار الذي تقدم به النجم الهندي أميتاب باتشان، عن عدم حضور فعاليات المهرجان واستيلام تكريمه، بسبب مرض أحد أقارب زوجته،

مزيد   1278