99 منزلا.. القسوة مطلوبة أحيانا

1510 مشاهدة
عمل مخلص لسرد هوليوود حتى وإن تم خارجها
99 منزلا.. القسوة مطلوبة أحيانا
 
سينماتوغراف ـ أبو ظبي: أحمد شوقي
 
في إطار المسابقة الرسمية لمهرجان أبو ظبي السينمائي الثامن شاهدنا الفيلم الأمريكي “99 منزلا” للمخرج رامين بهراني، صاحب “تشوب شوب” أحد أيقونات السينما المستقلة الأمريكية الحديثة، والذي يعود في فيلمه الجديد إلى عالمه المفضلة: أمريكا التى لا نراها في الأفلام، عالم المهمشين والمسحوقين اجتماعيا من قبل نظام عام لا يعترف بالضعفاء ولا يقف ليساعد من يسقط على القيام من جديد.
 
في الفيلم الذي كتبه كالمعتاد مع شريكته الدائمة في التأليف بهاريه عظيمي، يدخل بهراني إلى عالم القروض العقارية الأمريكية، التي تلجأ إليها بعض الأسر الأمريكية للاقتراض من البنوك لأسباب تتراوح بين الأهمية والرفاهية، مع اعتبار ملكية منزل الأسرة ضمان لتسديد القرض، وبالتالي ففي حالة تعثر الأسرة في سداد القرض الذي مُنح لها يدون ضمانات كافية، تنتقل ملكية منزلهم للبنك، الذي لا يتردد في الاستعانة بسماسرة معدودي الضمير، يطردون أصحاب المنزل منه ليجد من أراد الاقتراض لتجديد منزله نفسه ملقى خارج المنزل دون مأوى يلجأ إليه.
 
بداية قاسية
 
الفيلم يبدأ بتعرض دينيس ناش (أندرو جارفيلد) للطرد من المنزل الذي يعيش فيه مع أمه وابنه الوحيد بسبب قرض عقاري لم يتمكن من تسديده، لنتابع عملية طرده بشكل شديد القسوة لا يمنحه إلا دقيقتين لجمع ما يحتاجه من المنزل ويغادر وإلا اقتيد ووالدته للسجن. وفي تعبير بليغ بالصورة تجد يدي ناش وأمه تتجه تلقائيا لالتقاط أشياء لا تبدو ذات أهمية بأي منطق: ألعاب أطفال وصور قديمة، لكن هذه الأشياء هي الذكريات، هي منزل العمر الذي وجدوا أنفسهم مضطرين لمغادرته في دقائق.
 
القسوة في دقائق الفيلم الأولى لا تقتصر على الحدث نفسه، ولكن على ما يحيط به من عدم اكتراث من الدولة، فالقاضي يصدر حكمه في ثوان بعدما أصبح خبيرا في طرد الناس من بيوتهم، والشرطة لا تبد أي تعاطف مع أصحاب المنزل، بل تبدو وكأنها تعمل في خدمة سمسار العقارات نيك كارفر (مايكل شانون، الذي يؤدي الدور بإجادة مخيفة تذكرك بدوره في مسلسل سكورسيزي امبراطورية بوردووك).
 
القسوة تكون أحيانا مطلوبة كما يحدث هنا، لأنها ببساطة تزعج قناعات المشاهد الراسخة، وتزرع داخل عقله تساؤلا واحدا: ماذا لو كنت مكان هذا الرجل، الذي لم يكن يتصور أبدا أن يلقى خارج منزله بقوة القانون؟ هذا التساؤل الذي يحمل إدانة صريحة لكامل النظام المالي والاجتماعي يمكن اعتباره الأساس الذي يقوم عليه فيلم “99 منزلا”.
 
رحلة فاوستية ببداية غير مقنعة
 
ناش الذي يكتشف أن العمال الذين ألقوا بأغراضه في الشارع قد سرقوا المعدات التي يعمل بها، بما يعني انقطاع مصدر دخله المحدود أيضا تزامنا مع طرده، يتلقى قبلة حياة تحميه من التضور جوعا مع أهله، ولكنها قبلة حياة سامة من قبل السمسار الذي يعجب بالفتى ويقرر ضمه إلى فريقه الخاص.
 
هنا تلمس أول عيب في بناء الفيلم منطقيا، فبالرغم من الإجادة الفائقة التي يجسد بها مايكل شانون دور السمسار، والإغراء الذي لا يمتلك ناش رفاهية رفضه، ليتحول بحكم الحاجة في البداية ثم التطلع بعدها إلى صورة معاصر لدكتور فاوست يبيع روحه لشيطان القروض، رغم هذه الجودة يظل قرار كارفر بتقريب ناش إليه بهذه الصورة عسير التصديق دراميا، فلا يبدو في البداية أن ناش يمتلك أي ميزة إضافية تجعل الرجل/ الشيطان يقربه إليه ويصعده في العمل بهذه السهولة، وحتى الأزمة التي يحلها له ناش ويتقاضى أول أجر عليها، لا يظهر فيها أي مهارة خاصة تجعله الابن الروحي للسمسار.
 
 
لكن إذا تجاوزنا هذه الثغرة سنجد الرحلة النفسية التي يخوضها البطل متقنة الصياغة ومؤثرة بالفعل، فهو كعادة كل المنزلقين في التحالف مع الشيطان، يعتقد في البداية أنه سيلعب بشروطه الخاصة، ويستغل الفرصة دون أن يمارس الشرور التي أضرته من قبل، لكنه يجد نفسه ينزلق تدريجيا ليتحول لنسخة ثانية من كارفر، لا يميزها عنه إلا بعض اللوم وتأنيب الضمير.
 
عيوب هوليوودية
 
الرحلة كما قلنا مؤلمة نفسيا، وصالحة لجذب انتباه المشاهد ونيل تعاطف، لكن تظل مشكلتها الأكبر هو إخلاصها الشديد لموتيفات السرد الهوليوودي الكلاسيكي، بالرغم من أن الفيلم تم إنتاجه خارج المنظومة الهوليوودية. بهراني المتشبع بالسينما الأمريكية استخدم الطريقة المحفوظة بزرع شخصيات في البداية يستخدمها كمآزق وحلول درامية في النهاية، وهي طريقة يعيبها قدرة أي مشاهد على توقع مسارها، فلن يوجد من يشاهد زيارة البطل ناش لمنزل جاره ووالد صديق ابنه في المدرسة، دون أن يعرف أنه سيوضع في النهاية أمام مأزق أخلاقي يتعلق بطرد نفس الجار من منزله.
 
مشكلة الثلث الأخير من الفيلم أنه يلتزم تماما بتوقعات المشاهد، بما يسبب شعورا تلقائيا بانخفاض المستوى أو على الأقل تثاقل الإيقاع، الأمر الذي يؤثر على جودة الفصل الأخير الذي يواجه فيه دينيس ناش نفسه، ويتخذ اختياره الأخير بين بيع روحه بالكامل لكارفر، أو اتخاذ قرار ينتصر ـ ولو أخلاقيا ـ للجانب الذي ينتمي بالفعل إليه.
 
لكن النتيجة الإجمالية هي عمل جيد الصنع، ملتزم اجتماعيا بطرح قضية تؤثر في حياة مئات الأسر، وإن كانت بعض العيوب السردية جعلت تقييمه العام كفيلم متكامل ينخفض كثيرا عما كانت بدايته تعد به.